صوفيا غودفريند* – (مجلة 972+) 6/4/2022
في هذا العام، وكجزء من اتجاه بدأ في العام 2016 وسرّعته جائحة “كوفيد -19″، طغت عشرات من شركات المراقبة الإسرائيلية الصغيرة الناشئة على الأسماء الكبيرة في صادرات الأسلحة الإسرائيلية. وأعلنت العديد من هذه الشركات الخاصة عن إنتاج تقنيات مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي -تم اختبارها وصقلها في الأراضي الفلسطينية المحتلة- باعتبارها “حلولاً أمنية” عامة مبتكرة لمشاكل عالم يعيش في أزمة -وهو تكتيك كان قيد العرض في معرض الأسلحة الأخير في إسرائيل.
* * *
يختلط معظم المشاركين في معرض الدفاع الإسرائيلي، المعروف باسم ISDEF، في صالة العرض الرئيسية، ويتنقلون عبر أكشاك العرض التي تعرض كاميرات التعرف على الوجه، وأنظمة الدفاع الصاروخي، وبرامج التجسس. وينسحب البعض منهم إلى جوانب قاعة المعرض للانخراط في اجتماعات مرتبة، متكئين على طاولات مرتفعة وهم يحتسون قهوة الإسبرسو. ويقف نموذجان من البنادق الإسرائيلية، مع جنديين ناشطين في جيش الدفاع الإسرائيلي، أمام مركبة مصفحة لمكافحة الشغب. وبين الحين والآخر، تندفع الكلاب الآلية الصغيرة القادرة على إبطال مفعول المتفجرات بين أرجل الحاضرين.
هذا الحدث هو أكبر معرض تجاري للدفاع والأمن الداخلي في البلاد، وهو يقام كل عامين في “إكسبو تل أبيب”. وقد استقطبت النسخة الأخيرة منه، التي تمت استضافتها في الفترة ما بين 21 و23 آذار (مارس)، نحو 12.000 زائر من 90 دولة حول العالم؛ كان معظمهم ممثلين لشركات التكنولوجيا الخاصة وأجهزة الشرطة والجيوش.
في هذا العام، وكجزء من اتجاه بدأ في العام 2016 وسرّعته جائحة “كوفيد -19″، طغت عشرات من شركات المراقبة الإسرائيلية الصغيرة الناشئة على الأسماء الكبيرة في صادرات الأسلحة الإسرائيلية. وأعلنت العديد من هذه الشركات الخاصة عن إنتاج تقنيات مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي -تم اختبارها وصقلها في الأراضي الفلسطينية المحتلة- باعتبارها “حلولاً أمنية” عامة لعالم يعيش في أزمة.
منذ استبدال بنيامين نتنياهو كرئيس للوزراء في حزيران (يونيو) الماضي، كان نفتالي بينيت يدفع بشعار جديد يسمى “تقليص الصراع”. ويدعو المفهوم، الذي صاغه الفيلسوف الإسرائيلي ميكا غودمان، القادة عبر الطيف السياسي الإسرائيلي إلى التخلي عن محاولة إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بشكل كامل، والسعي بدلاً من ذلك إلى الحفاظ على ما يسمى بالوضع الراهن.
بدلاً من إنهاء الاحتلال، كما يقول غودمان، يجب على المؤسسة السياسية أن تنخرط في خطوات “واقعية” مختلفة -مثل تخفيف القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين وإعادة تخصيص الأراضي في الضفة الغربية من أجل التنمية الاقتصادية الفلسطينية- للتقليل من آثار الحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين من أجل الحد من العنف والتوترات.
في السنوات الأخيرة، أصبحت الابتكارات في قطاع تكنولوجيا المراقبة مفتاحًا لهذه الاستراتيجية. في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تعمل كاميرات التعرف على الوجوه عند نقاط التفتيش، وقواعد البيانات البيومترية، والمركبات الجوية من دون طيار فوق الفضاء الحضري، على أتمتة العديد من مكونات الحكم العسكري الإسرائيلي. ومع دخول الاحتلال عامه الخامس والخمسين، يجادل الجيش الإسرائيلي بأن مثل هذه التقنيات تجعل إدارة نظامه العسكري العصي على الترويض أكثر سهولة.
ومع ذلك، فإن التقنيات التي تم تطويرها في فلسطين تشكل اتجاهات المراقبة بسرعة في جميع أنحاء العالم. في معرض الدفاع الإسرائيلي المذكور، قامت الشركات الإسرائيلية بتسويق تقنياتها للمراقبة من الفئة العسكرية، مثل أساليب احتواء “كوفيد -19″، ومبادرات الشرطة الذكية، وحلول مراقبة الحدود غير الاحتكاكية، إلى جميع أنحاء العالم.
“ليس هذا خيالاً علمياً.. لدينا هذه الأدوات اليوم”
تضخمت صناعة المراقبة الإسرائيلية في السنوات التي أعقبت 11 أيلول (سبتمبر) عندما أعادت الدولة تسمية نفسها على أنها “أمة ناشئة” ابتكارية. وكان ذلك في فجر العصر الرقمي، عندما توسعت البنية التحتية للمراقبة في جميع أنحاء المنطقة وفي كل أنحاء العالم. وبالنسبة للجيش الإسرائيلي، تطلبت الأزمة التي صنعتها الانتفاضة الفلسطينية الثانية وانتشار الاتصالات الرقمية إعادة هيكلة جذرية للاستخبارات العسكرية. في “ميغدالور”، المجلة الداخلية للوحدة 8200 (المعادِل الإسرائيلي لوكالة الأمن القومي الأميركية)، والتي تم تداولها بين جنود المخابرات في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أشاد الجنرالات بهياكل الشركات في التكتلات التكنولوجية مثل “غوغل”، قائلين إن وحدات الاستخبارات عالية السرية يجب أن تعمل “كمجموعة من الشركات الصغيرة الناشئة”.
أصبحت الوحدات مثل الوحدة 8200، التي كانت مخصصة سابقًا لاستخبارات الإشارات السلبية إلى حد كبير (أي التنصت على خطوط الهاتف)، مختبرات ابتكار لمواجهة الجماهير. وأمضى المهندسون والمطورون والمحللون المدربون من الجيش ثلاث إلى خمس سنوات في تطوير وإدارة ونشر كاميرات التعرف على الوجه والطائرات من دون طيار وبرامج التجسس وقواعد البيانات الحيوية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبمجرد تسريحهم، كان هؤلاء حريصين على وضع مهاراتهم قيد الاستخدام في قطاعات التكنولوجيا الناشئة في البلاد؛ حيث قام المحاربون القدامى المتقاعدين حديثاً بتأطير عمل المراقبة العسكرية بسهولة على أنه “إدارة إنتاج” أو “تحليل بيانات” أو “عمليات تطوير”.
بينما دفعت الطفرة التكنولوجية في إسرائيل البلد إلى فترة من النمو الاقتصادي غير المسبوق في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، رحب السياسيون الإسرائيليون عبر كامل الطيف بعصر جديد من الاحتلال. وتتيح الابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي ومعالجة الصور الآن تنفيذ العديد من مكونات الحكم العسكري من على مسافة مناسبة، وبطريقة تعِد بتقليل الاتصال المباشر بين الجنود الإسرائيليين والفلسطينيين، وبالتالي تقليل الضرر الذي يلحق بالجانبين.
“لماذا التسبب بأي خطر على الجنود في حين أن معظم ساحة المعركة يمكن أن تدار بواسطة الروبوتات؟”، هكذا قال يائير غولان، رئيس أركان الجيش السابق وعضو الكنيست الآن عن حزب “ميرتس” الليبرالي، في خطاب ألقاه في معرض أسلحة الدفاع الإسرائيلي ISDEF 2019، وأضاف: “ليس هذا خيالًا علميًا.. لدينا هذه الأدوات اليوم”.
كما وجدت هذه التقنيات أيضًا حياة ثانية في أسواق المراقبة العالمية المتنامية. مع ابتعاد الوصول إلى نهاية دائمة للاحتلال العسكري الإسرائيلي أبعد وأبعد عن النظر، روج السياسيون بصوت عالٍ لإسرائيل على أنها دولة ناشئة ابتكارية، في ما وصفته عالمة الأنثروبولوجيا، ريبيكا شتاين، بأنه حملة تسويقية متعمدة تشنها الحكومة الإسرائيلية. وتقول شتاين إن الصور التي يتم بثها عبر حسابات وسائل التواصل الاجتماعي التي تديرها الدولة لإسرائيل كمركز تقني سعت إلى تشتيت الانتباه عن الاستخدامات الأكثر شرًا للعديد من هذه التقنيات.
ومع ذلك، تكشف الأخبار الأخيرة عن أن المدى الذي بلغه نشر نظام المراقبة الإسرائيلي في الضفة الغربية أعاد صياغة انتشار تقنية المراقبة بعبارات أقل وعداً، مؤكدة الآثار القمعية والمهينة للإنسانية التي تسببها هذه التقنية الجديدة. في تشرين الثاني (نوفمبر)، وصفت صحيفة “الواشنطن بوست” بالتفصيل استخدام الجيش الإسرائيلي لتكنولوجيا مراقبة التعرف على الوجه في الضفة الغربية: منذ العام 2020، أنشأ الجيش قاعدة بيانات بيومترية تسمى “الذئب الأزرق” لتحديد ملامح الفلسطينيين وتعقب حركة الفلسطينيين من خلال توسيع الماسحات الضوئية للوجه والقزحية وكاميرات المراقبة.
وفقًا لتقارير “الواشنطن بوست”، يتم تصوير الأطفال وكبار السن الفلسطينيين من دون موافقتهم، وأحيانًا يقوم الجنود بسحبهم من الفراش في جوف الليل. وكشفت صحيفة “هآرتس” الشهر الماضي عن أن الجنود الإسرائيليين مطالبون بإضافة صور 50 شخصًا إلى قاعدة بيانات “الذئب الأزرق” خلال كل مناوبة، ما يؤدي إلى استهداف المدنيين الفلسطينيين بغض النظر عما إذا كانوا مرتبطين بمخاوف أمنية -حتى أن الجنود قاموا بتصوير نشطاء أجانب لصالح النظام.
أثار النطاق الهائل للمراقبة الإسرائيلية في فلسطين قلق العديد من المدافعين عن الخصوصية. ويزعم الباحثون أن الممارسات الإسرائيلية الأخيرة تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال تعريض السكان المدنيين للمراقبة المتطفلة، مع تجاهل كامل لضمانات الخصوصية والحماية. وتصف منى اشتية، المدافعة عن الحقوق الرقمية الفلسطينية، الحرمان الممنهج للخصوصية في فلسطين بأنه “كارثي”. وأوضحت في مقابلة على بودكاست الشبكة في الشتاء الماضي أن “الناس يبدأون في العيش في خوف. يبدأون في الشعور بالخوف على حياتهم”.
تطهير الآثار السرطانية
أوضح معرض الدفاع الإسرائيلي الأخير، ISDEF 2022، أن جهاز المراقبة الإسرائيلي غير الخاضع للقواعد إلى حد كبير في الأراضي المحتلة يساعد على دفع توسع المراقبة في جميع أنحاء العالم. ويجري تطهير العديد من هذه التقنيات من آثارها السرطانية في “إكسبو تل أبيب”. وبدلاً من ذلك يتم الترويج لها كحلول أمنية ملائمة وإنسانية: تسمح ماسحات التعرف على الوجه، وقارئات بصمات الأصابع، ومراقبة الموقع، بالوصول السريع إلى المعلومات الشخصية، والدخول السريع للناس عبر الحدود، وتدابير الصحة العامة واسعة النطاق.
على سبيل المثال، تقوم “أوستو” Oosto (AnyVision سابقًا)، وهي شركة ناشئة للقياسات الحيوية بواسطة كاميرات للتعرف على الوجه مثبتة عند نقاط التفتيش في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية المحتلة، بتسويق تقنيات حدودية غير احتكاكية لسلطات المطارات في جميع أنحاء العالم. وهناك مؤسسة مقرها تل أبيب تقوم بتزويد الشرطة الإسرائيلية بكاميرات جسدية تعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل، والتي تقوم هي الأخرى بتصدير تقنيتها للتصوير على أنها “حلول مدينة ذكية” لفرض التباعد الاجتماعي. وهناك شركة مراقبة بارزة أخرى تعيد تسمية العلامة التجارية للصناديق السوداء التي تشوش على إشارات اعتراض المكالمات الهاتفية في الضفة الغربية باعتبار أنها أدوات لمكافحة الاتجار بالبشر.
المخاطر التي تشكلها العديد من هذه التقنيات موثقة جيدًا في فلسطين وأجزاء أخرى من العالم. ويحذر الخبراء من أن المراقبة الجماعية تخنق حرية التعبير والحركة والاحتجاج. وثبت أن تقنية التعرف على الوجوه تزيد من التمييز عندما تقوم السلطات باستخدامها ضد مجموعات سكانية معينة، لا سيما المجتمعات المونة. وعلاوة على ذلك، قامت حكومات في جميع أنحاء العالم باستخدام أدوات التجسس الإلكتروني، مثل برنامج التجسس “بيغاسوس” Pegasus الذي أنتجته مجموعة NSO الإسرائيلية، لتخويف وإرهاب ومراقبة الصحفيين والمعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
حتى الآن، لم تواكب اللوائح المتعلقة باستخدام وإساءة استخدام هذه الأدوات وتيرة الابتكار التقني. ولهذا السبب، فإن الدعوات إلى الوقف أو الحظر التام لتقنيات المراقبة على المستويات البلدية والفدرالية والدولية تكتسب زخمًا.
مع ذلك، من غير المرجح أن تلتزم إسرائيل باللوائح الدولية الجديدة بشأن استخدام تقنيات المراقبة. في الأسابيع الماضية، قُتل 11 مواطنًا إسرائيليًا -يهودًا وعربًا فلسطينيين- في هجمات عنيفة نفذها فلسطينيون، والذين كان بعضهم قد أعلنوا ولاءهم لتنظيم “داعش”. وجادل محللون إسرائيليون من مختلف ألوان الطيف السياسي بأن الإجراءات الأمنية المكثفة ستكون ضرورية لمنع مقتل المزيد من المدنيين. ومن المرجح أن تزداد المراقبة في أعقاب ما وصفه مسؤولون رفيعو المستوى بأنه فشل أمني من جانب مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، مع دعم واسع عبر كامل طيف المجتمع اليهودي الإسرائيلي.
بينما يتنامى هذا الاتجاه، يصبح تحقيق التوازن بين الحقوق المدنية والسياسية الأساسية وضرورة ضمان أمن الجميع أكثر أهمية وحسماً من أي وقت مضى. ومع ادعاءات السياسيين الإسرائيليين بشأن “تقليص الصراع” التي تضمن عدم وضع حد لانعدام الأمن والعنف اللذين يشكلهما الاحتلال الإسرائيلي، فإن الرؤساء التنفيذيين والمديرين التنفيذيين للشركات المتبدئة الذين يستخدمون معرض الدفاع ISDEF للاستفادة من سوق المراقبة الخاصة المزدهر سيكونون أكبر المنتصرين في هذه الحقبة الجديدة.
*صوفيا غودفريند Sophia Goodfriend: مرشحة للحصول على درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا في جامعة ديوك مع خبرة في الحقوق الرقمية والمراقبة الرقمية في إسرائيل/ فلسطين. انضمت إلى “حملة”؛ المركز العربي لتطوير وسائل التواصل الاجتماعي، كباحثة في صيف العام 2021 للتحقيق في تأثير المراقبة الرقمية الإسرائيلية بين المقدسيين الفلسطينيين. أسهمت إيلا هالبيرن ماثيوز في إعداد التقارير من تل أبيب.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The start-up spy state
“الغد”


























