المستقبل –
إذا لم تكن ورقة تخويف العالم بمخاطر الملف النووي الإيراني (بدءاً بإسرائيل والخليج العربي والشرق) كافية لتحريك الولايات المتحدة عسكرياً ضد إيران، فلا بد من ورقة تخويف أخرى. وخلال مباحثاته في واشنطن مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، طرح بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية هذه الورقة الأخرى. فقد حاول تخويف العالم بمخاطر إقدام إسرائيل منفردة على ضرب المفاعل النووي الإيراني تحت شعار حق الدفاع عن النفس.
المنطق التخويفي الذي اعتمده نتنياهو احتاج منه الى مقدمة طويلة. فقد عرض للرئيس أوباما لما سمّاه "المأساة التاريخية" للشعب اليهودي وعذاباته طوال أربعة آلاف سنة. وقال للرئيس الأميركي: لسنا مستعدّين لمواجهة المزيد من هذه العذابات. لن نترك الإيرانيين يأتون الينا بقنبلتهم النووية. إن حقنا في الدفاع عن النفس يدفعنا الى أن نذهب اليهم لنجرّدهم من هذا السلاح التدميري الذي يستهدفنا.. "ألم يقل الرئيس أحمدي نجاد إن على إسرائيل أن تزول من الخارطة"؟.
كانت ترافق نتنياهو مجموعة من المستشارين الإسرائيليين الذين حرصوا على ارتداء "القلنسوة اليهودية" التي تشير الى أنهم من اليهود المتدينين. ويؤمن هؤلاء بحق إسرائيل في أن تذهب للدفاع عن النفس حتى الى استخدام أسلحة دمار شامل. وهي تملك هذه الأسلحة نووياً وجرثومياً وكيماوياً. وكذلك حتى لو اضطرت الى الذهاب بعيداً جداً عن حدودها الى إيران أو باكستان أو أي دولة إسلامية أخرى ترى فيها تهديداً لوجودها ولأمنها. ولذلك طوّرت إسرائيل أسلحتها الصاروخية المتوسطة والبعيدة المدى القادرة على حمل رؤوس نووية.
حاول الرئيس أوباما الالتفاف على هذه المداخلة التخويفية. قال لنتنياهو: إن معالجة الملف النووي الإيراني تبدأ بمعالجة الملف الفلسطيني. وإن تسوية سياسية في الشرق الأوسط على أساس الدولتين تحقق مصالحة إسرائيلية ـ فلسطينية، وإسرائيلية ـ عربية، وبذلك تتوفّر الأرضية الصالحة لإقناع إيران بالتخلّي عن برنامجها النووي العسكري. وعملية الإقناع هذه تقوم على أساس منح إيران فرصة أخيرة لإعادة النظر في هذا البرنامج. تبدأ هذه المرحلة بانتخاب الرئيس الإيراني الجديد، وتنتهي بنهاية العام الجاري. وخلال هذه الفترة الزمنية توقف إسرائيل بناء المستوطنات وتفتح حواراً جدياً مع الفلسطينيين على أساس الدولتين.
خرج نتنياهو من لقاء الرئيس أوباما منزعجاً على عكس ما نقل عنه. فقد وجد أن الرئيس الأميركي مهتم بعذابات الفلسطينيين الحالية أكثر مما هو مهتم بعذابات اليهود التاريخية.
ووجد نتنياهو أن الرئيس الأميركي غير موافق على تفرّد إسرائيل بعمل عسكري ضد إيران، وأنه غير مستعجل للقيام بمثل هذا العمل على الأقل في الوقت الراهن، وأنه رغم فشل الإغراءات والضغوط الدولية على إيران، فإنه، أي الرئيس أوباما، لا يزال يعتقد بأن ثمة فرصة لنجاح هذا السلاح الإغراءات والضغوط .
عاد نتنياهو من واشنطن "بخفي حنين". وترجم ذلك بإعلانه رفض توقيف مشاريع الاستيطان، وبرّر ذلك بأن إسرائيل سبق أن أزالت المستوطنات من قطاع غزة، ولكن الفلسطينيين لم يزيلوا ما سمّاه البنية التحتية للإرهاب.
وترجم ذلك أيضاً بإعلانه رفض مبدأ الانسحاب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة منذ عام 1967. وبرّر ذلك بأن احتلال المرتفعات ضروري للمحافظة على أمن إسرائيل. وكأن مقتضيات الأمن تعطي إسرائيل الحق باحتلال أي موقع في أي مكان من الخريطة العربية!!.
وحتى لا يبدو أنه عاد من واشنطن رافضاً لأي حلّ أو تسوية، أعلن استعداده لإجراء مفاوضات مباشرة مع سورية، ومع السلطة الفلسطينية ولكن من دون شروط مسبقة.
إن عبارة من دون شروط مسبقة تعني العودة الى نقطة الصفر. مما يجعل المفاوضات تدور في حلقة مفرغة، فتتحول من وسيلة لتحقيق التسوية، الى هدف في حد ذاته. أي المفاوضات من أجل المفاوضات. ولذلك لا يهم كم تطول المفاوضات.. عاماً أو عشرة أعوام.. المهم أن يتواصل بناء المستوطنات، وأن يتواصل تهويد القدس، وأن يتواصل حصار غزة، واحتلال الضفة الغربية.. وأن يبقى السيف مصلتاً على دمشق من الجولان، وأن يبقى لبنان مزرعة للقنابل العنقودية القاتلة!!.
عندما شنّت إسرائيل الحرب على الدول العربية في حزيران (يونيو) 1967 جرى ذلك تحت شعار الدفاع عن النفس. يومها أغلق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية.
وعندما شنّت إسرائيل سلسلة حروبها على لبنان ، جرى ذلك أيضاً تحت الشعار ذاته. فكانت الحرب الاحتلالية في عام 1978 ثم في عام 1982 بحجة الدفاع عن النفس ضد هجمات المقاومة الفلسطينية.
وفي أعوام 1993 و1996 و2006 شنّت حروبها على لبنان تحت ذريعة الدفاع عن النفس ضد عمليات المقاومة اللبنانية.
وهي اليوم تستعد لاستخدام هذه الذريعة أيضاً لضرب إيران بعد أن استخدمتها لضرب قطاع غزة حيث ارتكبت فيه جرائم حرب وحشية اهتز لها الضمير العالمي.
لقد فشلت الديبلوماسية الأميركية في عقد صفقة مع إسرائيل تربط بين التسوية السياسية في فلسطين والملف النووي الإيراني. ويبدو أنه لا الولايات المتحدة مستعدة حتى الآن على الأقل لقبول مبدأ توجيه ضربة عسكرية لإيران ، ولا إسرائيل مستعدة لقبول مبدأ الدولتين.
غير أن إسرائيل راغبة في توجيه الضربة العسكرية منفردة وليست مستفردة. بمعنى أن تقوم بها منفردة عسكرياً ولكن تحت غطاء من الدعم السياسي والمعنوي والمخابراتي الأميركي. أما الولايات المتحدة فإنها غير جاهزة بعد لفرض حلّ الدولتين ولو بالتعاون مع المجموعة الدولية ( الاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي والأمم المتحدة). ذلك أنه ما أن يبدأ الضغط الدولي على إسرائيل، حتى تبادر الآلة الصهيونية العالمية الى فتح ملف اللاسامية.. واستغلال عذابات اليهود.. أما ملف العنصرية الصهيونية وعذابات الفلسطينيين فإنها تبقى موضوعاً ثانوياً في نظر الإسرائيليين.. وحتى إشعار آخر.




















