واصل الرئيس المنتخب باراك اوباما اجتماعاته مع مساعديه ومستشاريه الكبار في شيكاغو لمتابعة عملية نقل السلطات وتعيين المسؤولين عن هذه العملية في مختلف الوزارات والاجهزة الحكومية، مع تأكيد مصادر مقربة من فريق عمله ان التعيينات التي سيعلنها في الاسابيع المقبلة ستحدد الى درجة كبيرة، ليس فقط الاولويات الداخلية والخارجية لاوباما، بل ايضا اسلوب عمله، واي نوع من الرؤساء سيكون، خصوصا ان المصادر تقول انه سيجعل البيت الابيض، وليس وزارتي الخارجية والدفاع، مركز الثقل في رسم السياسات الخارجية والامنية للبلاد في عهده.
وقال مستشاران للشؤون الخارجية في حملة اوباما "للنهار" انهما يتوقعان ان يعلن الرئيس المنتخب خلال الايام والاسابيع المقلبة اسماء المسؤولين الذين سيتولون المناصب الاقتصادية والمالية، خصوصا ان الازمات الاقتصادية والمالية تنفجر في وجهه، واخرها مأزق صناعة السيارات في ديترويت واقتراب شركة "جنرال موتورز" من حافة الافلاس، قبل ان يركز على ملء المراكز المعنية بالشؤون الخارجية والامنية مثل مستشاره لشؤون الامن القومي، ووزير الخارجية ووزير الدفاع، الى اكثر من 300 مسؤول آخر في مناصب الدرجتين الثانية والثالثة، مثل نواب الوزراء ومساعديهم، وغيرهم من الذين يأمل في تعيينهم. ويتبين من الاسماء التي عينها الرئيس المنتخب للاشراف على عملية نقل السلطات في وزارات محورية مثل الخزانة والدفاع والخارجية انه سيعتمد على عدد كبير من المسؤولين والمساعدين الذين عملوا في ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون، ويبدو من التعيينات حتى الان، انه يسعى الى اختيار من هو أكثر كفاية وخبرة وادراكا لطريقة صنع القرارات وتطبيقها في واشنطن، وليس بالضرورة من كان معه منذ بداية الحملة الانتخابية لانه يريد تفادي الاخطاء الاولية التي ارتكبها كلينتون خلال الفترة الانتقالية، والتي اثرت سلبا على السنتين الاوليين من ولايته الاولى.
وكان اوباما طلب من المحامي جون بوديستا، المتمرس في الابحار في مياه واشنطن العاصفة، ومدير مكتب البيت الابيض خلال ولاية كلينتون في آب الماضي، التحضير للمرحلة الانتقالية، ادراكا منه ان اتخاذ القرارات السليمة خلال الايام الـ 76 التي تفصل بين انتخاب الرئيس وتسلمه صلاحياته الدستورية هي فترة محورية جدا من حيث تفادي الاخطاء المتعلقة بالتعيينات في المناصب الحساسة، وهو امر لم يدركه كلينتون الذي تعثر في بحثه عن أمرأة لمنصب وزيرة العدل ثلاث مرات قبل ان يملأ هذا المنصب الحساس.
بايدن وتشيني
وفي هذا السياق، أفادت مصادر مقربة من نائب الرئيس المنتخب جوزف بايدن انه عين رون كلاين مديرا لمكتبه، قبل ساعات من لقائه وزوجته جيل نائب الرئيس ديك تشيني وزوجته لين، الى مأدبة عشاء في مقر اقامة نائب الرئيس في واشنطن. ولكلاين خبرة واسعة في شؤون الكونغرس وفي البيت الابيض حين عمل مديرا لمكتب نائب الرئيس السابق آل غور، كما عمل مستشارا لبايدن عندما كان رئيسا للجنة القضائية في مجلس الشيوخ. كذلك عمل ممثلا لبعض الشركات والمؤسسات المالية منها مؤسسة "فاني ماي" العقارية التي كانت من المؤسسات التي اضطرت الحكومة الفيديرالية أخيرا الى التدخل لانقاذها من الافلاس.
الشرق الأوسط الأوسع
وحذرت المصادرالتي تحدثت معها "النهار" من تصديق كل ما يكتب في وسائل الاعلام، لان "الذين يعرفون فعلا ما يجري قلائل ولا يتحدثون كثيرا وأكثريتهم في شيكاغو". وقالت ان فريق أوباما نجح بعد انتخابه كما نجح الى حد كبير خلال الحملة الانتخابية في تفادي التسريبات.
وعن أولويات الرئيس المنتخب في منطقة الشرق الاوسط الاوسع ( من المغرب حتى حدود باكستان والهند)، قال احد المستشارين، طالبا عدم ذكر اسمه:
"الاولويات ستتوضح بعد التعيينات، وبعد معرفة هوية مستشار الامن القومي الذي أتوقع ان يضطلع بدور رئيسي في صوغ السياسة الخارجية مع الرئيس أوباما". وأضاف ان ثمة أولويات تعهدها أوباما خلال الحملة الانتخابية، وفي مقدمها العراق ومسألة الجدول الزمني لسحب القوات الاميركية خلال 16 شهرا، على رغم ان هذا الجدول ليس منقوشا على الحجر، كما لمح أوباما خلال الاشهر والاسابيع الاخيرة في حملته. و"هناك ارتباط عضوي بين الوضعين في العراق وافغانستان، لان أوباما لن يستطيع زيادة عديد القوات الاميركية في افغانستان، الا اذا سحب بعض الوحدات القتالية من العراق". وقال ان الرئيس المنتخب سيكثف المساعي التي بدأت أخيرا لجذب عناصر "معتدلة" من حركة "طالبان" للمشاركة في الحكم، اذا قبلت بالدستور الافغاني وتخلت عن سلاحها ونبذت التعاون مع تنظيم "القاعدة".
العراق
وعن العراق، قال المستشار ان الاولويات ستتضح اكثر اذا توصلت ادارة الرئيس بوش قبل انتهاء ولايته من توقيع اتفاق في شأن وضع القوات الاميركية في العراق والتعاون الاستراتيجي بين البلدين، او تركت هذه المسألة لادارة الرئيس أوباما. وشدد على ان أوباما سيطالب العراقيين بوضوح بتحمل المزيد من الاعباء المالية والعسكرية، و"لن يتسامح مع بعض الممارسات والمماطلات العراقية التي كانت تمر في السابق من دون احتجاجات كبيرة من البيت الابيض" وخصوصا من حيث تأجيل اتخاذ القرارات الوفاقية او الامنية.
إيران
وقال مستشار آخر ان أوباما، كما عبّر خلال مؤتمره الصحافي الاول بعد انتخابه، سيعمل على تعبئة المجتمع الدولي لامتحان النيات النووية لايران، مشيرا الى انه سيجد آذانا متعاطفة أكثر مع طروحاته الديبلوماسية حيال ايران سواء في اوروبا أم في الشرق الاوسط، او في حال اخفاق الديبلوماسية القوية التي يتحدث عنها أوباما، فرض عقوبات دولية أقسى على طهران. ورأى انه سيكون من الصعب جدا على القيادة الايرانية، أول الأمر شيطنة رئيس اميركي جديد اسمه باراك حسين أوباما، كما نجحت في شيطنة الرئيس بوش، الذي ساهمت سياساته في المنطقة في هذه الشيطنة.
سوريا أسهل
وعكس المستشار رأيا سائدا في الاوساط السياسية داخل معسكر أوباما وخارجه، مفاده ان عملية السلام الفلسطينية – الاسرائيلية ستبقى معلقة لوقت طويل وان غموض الاوضاع السياسية في البيتين الفلسطيني والاسرائيلي في المستقبل المنظور سيسهل على الرئيس المنتخب تأجيل البحث في هذا الموضوع لكن ذلك "لا يعني اطلاقا تجاهل المفاوضات السورية – الاسرائيلية التي ترعاها تركيا، لان ثمة امكانا حقيقيا، وان يكن صعبا لرفع مستوى هذه المفاوضات ونقلها الى المستوى المباشر والتوصل الى اتفاق سلام في وقت لاحق بدعم وبمساهمة مباشرة من ادارة الرئيس اوباما".
واكد المستشار ذو الاطلاع الواسع على قضايا الشرق الاوسط والمفاوضات بين اسرائيل والاطراف العرب، ان مستشاري اوباما الكبار مقتنعون بأن اي اتفاق بين سوريا واسرائيل يجب الا يكون على حساب لبنان، وان التأييد للبنان مستقل وسيد سيظل قويا في البيت الابيض، كما هو قوي اليوم في الكونغرس وداخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
مرشحون لمناصب
وعن الاسماء المرشحة للمناصب الخارجية والامنية الحساسة، شدد المستشاران على ان كل الاسماء المطروحة يجب التعامل معها على انها واردة، لكنها لا تزال تكهنات لان أوباما لم يحسم أمره حتى الآن. احد المستشارين افاد ان التعيينات ستكون مبنية على الكفاية والاهلية وليس على اعتبارات الولاء والعلاقات الشخصية او الانتخابية.
واشار الى ان الاسماء المطروحة لمنصب مستشار الامن القومي تراوح بين جيم ستاينبرغ (مسؤول سابق في عهد كلينتون) والجنرال المتقاعد جيمس جونز الذي تولى منصب القائد الاعلى لقوات حلف شمال الاطلسي. وكان اوباما قد ذكر اسم جونز خلال احدى المناظرات مع المرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين، حين قال انه اذا اراد الاستماع الى مشورة في شأن السياسة الخارجية، فانه يتحدث مع الجنرال جونز (اضافة الى جوزف بايدن او السناتور الجمهوري ريتشارد لوغار). ولا يزال اسم سوزان رايس مطروحا، ولكن ربما لمنصب نائب مستشار الامن القومي، كما انها من المرشحين لمنصب مندوب واشنطن لدى الامم المتحدة.
اما وزارة الخارجية، فان الاسماء المطروحة لا تزال محصورة ببيل ريتشاردسون حاكم ولاية نيو مكسيكو، او ريتشارد هولبروك المسؤول السابق في ادارة كلينتون، الى السناتور جون كيري (على رغم المواقف المتناقضة الصادرة عنه)، او السناتور السابق طوم داشل.
واذا قرر اوباما عدم ابقاء وزير الدفاع روبرت غيتس في منصبه، فانه قد يعين السناتور الجمهوري تشاك هيغل، اومستشاره للشؤون الامنية ريتشارد دانزيغ، او السناتور الديموقراطي جاك ريد. ولا يزال اسم منسق عملية السلام السابق السفير دنيس روس مطروحاً لتولي منصب مهم في الادارة الجديدة، لكن مصادر مقربة منه كانت قالت انه لا يريد العودة الى دوره منسقا لعملية السلام، الا اذا كان ذلك جزءا من تصور اوسع لدور اقليمي يشمل التعامل مع الملف الايراني لانه "لا يمكن، اعتماد اي استراتيجية لحل النزاع العربي – الاسرائيلي، اذا لم تكن هناك استراتيجية مرتبطة بها في شأن طريقة التعامل مع ايران"، كما قالت المصادر.
واشنطن – من هشام ملحم
"النهار"




















