خادم الحرمين: إلى متى سفك الدماء ؟ والعداوات لماذا ؟ وبأي حق؟، .. انتخاب أوباما يدل على أن الشعب الأميركي فعلاً شعب ديموقراطي
اطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز صرخة مساء اول من امس امام مجموعة من المشاركين في مؤتمر نيويورك للحوار بين أتباع الأديان والحضارات اذ قال «كفى ما حصل من القتل ومن العداوة ومن الإفراط في حقوق الغير»، وتساءل «إلى متى سفك الدماء ؟ والعداوات لماذا ؟ وبأي حق»، معتبرا ان الاديان براء من الاعمال العدوانية «لكنه الشيطان والأعمال السياسية التي دخلت في الأديان وشوشت عليها. ورأى ان «انتخاب الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما يدل على أن الشعب الاميركي فعلاً شعب ديموقراطي وبرهن بهذا الاختيار للعالم كله أنه شعب ديموقراطي مئة في المئة».
واختتم امس مؤتمر الحوار بين الاديان والثقافات والحضارات الذي انعقد في مقر الامم المتحدة في نيويورك بمبادرة من السعودية على مدى يومين تحت عنوان «ثقافة السلام الحوار بين الاديان والثقافات». وصدر في ختام المؤتمر الذي القى فيه امس الرئيس الاميركي جورج بوش كلمة، «اعلان نيويورك» اكد مقررات مؤتمر مدريد الذي رعاه خادم الحرمين في العاصمة الاسبانية في تموز (يوليو) الماضي.
وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض دانا بيرينو في وقت سابق امس إن بوش شديد الارتياح لهذا المؤتمر الذي يتيح مجالا للمعتبرين أن يبحثوا في سبل الاستفادة من ثراء التنوع الإنساني. أضافت أن بوش يشيد بمبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بالدعوة إلى هذا المؤتمر بقولها «يعتقد الرئيس بوش أن ملك المملكة العربية السعودية يقر بأن أمام بلاده مسافة طويلة لاجتيازها قبل الوصول إلى التسامح الديني ولذلك فهو يتخذ خطوات لبلوغه وهذا الحوار هو خطة طيبة لجمع الناس وفتح حوار بينهم».
خادم الحرمين
وقد استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في مقر إقامته مساء أول من امس مجموعة من المشاركين في مؤتمر مدريد للحوار بين أتباع الأديان والحضارات.
في بداية الاستقبال ألقى خادم الحرمين الشريفين كلمة قال فيها «أتمنى أن يكون هذا الحوار فاتحة خير للإنسانية، فليس للإنسان إلاّ أخاه الإنسان مهما كان. وأعتقد أن الأيام والسنين التي فاتت لن تعود، إن شاء الله، كفى ما حصل من القتل ومن العداوة ومن الإفراط في حقوق الغير».
اضاف «الحمد لله الذي سخركم من جميع الأديان، لأن الأديان نقية، كلها منزلة من الرب عز وجل، ويحضنا الرب عز وجل على التآخي والتآلف وعمل الخير للعاجز والفقير والمحتاج والمريض وهذه كلها طرق إنسانية ، وأعتقد أنكم وغيركم إن شاء الله تحضون على محبة الإنسان لأخيه الإنسان، وعندما يفكر الإنسان في الماضي وما ارتكبه من أخطاء على أخيه يتساءل ما هي الأسباب؟ ما هي الأسباب إلاّ النفس، والنفس كما تعرفون أمَّارة بالسوء، وأعتقد أن العالم أحس وانتبه لهذه الأمور لأن ليس فيها فائدة، فإلى متى سفك الدماء ؟ والعداوات لماذا ؟ وبأي حق؟».
وقال خادم الحرمين: «والرب عز وجل ما أنزل ديانة إلاّ وفيها دليل واضح على الرأفة بالإنسان، وأعتقد أنه لا يوجد أي إنسان عمل خطيئة على إنسان إلاّ وتندم وتحسر وتأسف إلى أبعد الحدود ، لماذا هذا العدوان. الأديان براء من هذه الأعمال ولكنه الشيطان والأعمال السياسية التي دخلت في الأديان وشوشت عليها».
ولفت الى ان «البشرية الان في حاجة إلى البشر مثلكم يدلونهم ويرشدونهم ويفهمونهم ما هي الحقائق، لأن الرب عز وجل أمرنا بالتعوذ من الشيطان والنفس لأن الشيطان والنفس إذا اجتمعا فهذا يعني أن الإنسان أصبح محكوماً عليه بالشر والعداوة للغير».
وشدد خادم الحرمين على «اننا بشر، نحن مخلوقات للرب عز وجل ، ولا يوجد دليل يجيز عداوة الإنسان لأخيه الإنسان إلاّ الذي يعمل شراً ضد أخيه. هذا ما أحببت أن أشرحه لكم في هذه الأمسية وأتمنى لكم ولنفسي أن نغذي النفس بالصبر لأنه لا يوجد عمل يفيد الإنسان إلاّ الصبر. كما أتمنى لكم الخطى الحثيثة في تأثيركم الروحي ، وعلى كل من هو على دين أن يحث جماعته على التآخي وعلى الألفة وعلى المحبة، وأهم شيء الصراحة والصدق».
كما شدد خادم الحرمين في كلمته على الاسرة « التي تظم الإنسان لعائلته وبيته وأبنائه، والآن لا يخفى عليكم جميعاً أن الأسرة بدأت تتحلل ومع الأسف وصلتنا نحن في الشرق الأوس ، إذا كبر أولادك وبناتك وبلغ عمر الواحد ثمانية عشر عاماً ثم يغادر البيت، وهذا من فلذات أكبادنا وما نعلم له أي مصي، لأن فلذات أكبادكم تشاهدونهم يعملون أشياء وما للأب أو للأم الحق في ردعهم، والأسرة أنتم تعرفونها، الأسرة هي التي تجمع كلمة الأب والأم والأولاد وهذه كلها نريد كل العالم من الفرد إلى الجماعة كلهم يحرصون عليها. وشكراً لكم.
ممثلو الديانات
عقب ذلك، ألقى ممثلون عن الديانات السماوية الإسلام والمسيحية واليهودية كلمات أمام خادم الحرمين حيث ألقى أحد المشاركين في الحوار كلمة رحب فيها بخادم الحرمين الشريفين وهنأه بهذه المناسبة الكريمة وقال «إنني أمثل المجتمع المسيحي وأشكركم بحرارة على كلمتكم الحكيمة والتزامكم بالعمل من أجل ترقية الحوار والصداقة والسلام في أنحاء العالم».
وأكد التزام أتباع الديانة المسيحية بتشجيع جهود السلام والعدل والتفاهم والمودة بين الجميع في هذا العالم مشيراً إلى أن لكل إنسان الحق في الحرية والسعادة والتقدم.
ثم ألقى أحد المشاركين في الحوار من أتباع الديانة اليهودية كلمة عبر فيها عن مشاركة اليهود في الاقتناع بوسائل السلام والتصالح. وقال «إن الحوار الذي بدأتموه في مدريد إضافة إلى وجودكم هنا في نيويورك إنما هو تأكيد لالتزامكم بدعم الاعتدال الديني».
بعد ذلك ألقى أحد المشاركين في الحوار من المسلمين كلمة أعرب فيها عن شكره وشكر المشاركين في الحوار في مكة المكرمة وفي مدريد لخادم الحرمين على مبادرته بالدعوة للحوار بين أتباع الديانات والثقافات في العالم ووصفها بأنها دعوة إنسانية وإسلامية في صميمها انطلقت من الإيمان بالله ثم بأن البشرية كلها أسرة واحدة وأن الله كرم بني آدم وبعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.
وقال «يا خادم الحرمين الشريفين إن الله سبحانه وتعالى جعلكم مفتاحاً للخير للعالم كله ومغلاقا للشر ووفقكم لبناء الجسور للتعاون على البر والتقوى وهدم السدود التي تفرق بين إنسان وإنسان». وعبر عن أمله في أن يستمر الحوار ويأتي بالثمار الطيبة للبشرية كافة.
عقب ذلك ألقى الأمين العام لهيئة الدين والسلام كلمة عبر فيها عن سعادته برؤية المؤمنين والقادة الدينيين يتلاقون ويحترمون بعضهم البعض ويتعاونون في أصعب الظروف بإخلاص وإيمان.
وقال «لقد سمعنا منكم عن تعطش الأسرة الإنسانية للإيمان بالله والوحدة فيما بينهم وفقا لمعتقداتهم والاحترام المتبادل بينهم وأن المشكلات الكبيرة التي تواجه الإنسانية والتي أشرتم إليها هي مشكلات الحروب والفقر تتخطى حدود الدول». وأضاف في ختام كلمته «إننا جميعاً نتطلع إلى السلام والحوار والتضامن ونشعر بالامتنان لصوتكم الذي ارتفع ليسمعه العالم».
إثر ذلك، أكد الملك عبدالله أن «دول العالم لو اتجهت إلى السلام وبعدت عن الحروب والنزاعات التي لا تحل إلاّ بالأسلحة التي تخسر عليها الدول ملايين الملايين واتجهت إلى الفقر والعمل الإنساني في الصحة لما كنا شاهدنا هذه الأمراض ولا هذا الفقر».
ثم ألقى مشارك في الحوار من الجمعية الإسلامية في اميركا الشمالية كلمة أبدى فيها سعادته واعتزازه بالمشاركة في الحوار مع قادة المؤسسات الدينية موضحاً أنه أمكن تحقيق النجاح في ديمقراطية جماعية.
ولفت النظر إلى أنها المرة الأولى التي ينتخب فيها أمريكي من أصل أفريقي لرئاسة الولايات المتحدة.
وقال «إننا ننظر إلى المملكة العربية السعودية كدولة رائدة ومصدر للاستنارة في العالم الإسلامي. إن جامعاتكم ومعاهدكم الدينية يمكن أن تمدنا بما نحتاجه في الغرب لشرح الإسلام في القرن الحادي والعشرين باعتباره دين السلام والاعتدال».
عقب ذلك، أشار خادم الحرمين الشريفين إلى أن «انتخاب الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما يدل على أن الشعب الاميركي فعلاً شعب ديموقراطي وبرهن بهذا الاختيار للعالم كله أنه شعب ديموقراطي مئة في المئة وإن شاء الله نرى منه خيراً للبشرية وهذا ما أتمناه لزعماء العالم ككل أن ينزل الله في قلوبهم محبة وإخاء لجميع البشر».
بعد ذلك، تحدث أحد المشاركين مرحبا بخادم الحرمين الشريفين في الولايات المتحدة وقال «اليوم يوم عظيم لأنكم ألقيتم خطاباً شجاعاً وصريحاً وهو يعبر عن ثلاث مراحل الأولى مرحلة الاجماع الداخلي بين المسلمين على ضرورة الحوار وبدأ في مكة المكرمة، والثانية مرحلة البحث عن شركاء في مدريد ونجحنا في ذلك والمرحلة الثالثة اليوم من أهم نقطة في العالم أرسلتم رسالة واضحة للبشرية»».
وعبر عن الشكر لخادم الحرمين الشريفين على تبنيه فكرة. ودعا المشاركين من المسيحيين واليهود إلى أن يكونوا شركاء مع المسلمين في الولايات المتحدة لإنزال مبادرة خادم الحرمين الشريفين منزل العمل مشيراً إلى أنه سيتم إطلاق مؤسسة السلام الإسلامية بنهاية العام الحالي والتي ستركز على مفهوم التعايش والحوار بين المسلمين في الولايات المتحدة وبين المسيحيين واليهود وإذا حققت هذه المؤسسة النجاح فإنها ستقدم نموذجاً مهماً.
ثم ألقى أحد المشاركين كلمة نوه فيها بمبادرة خادم الحرمين الشريفين وقال «إننا لا نتصور مدى الخطوة العملاقة التي اتخذتموها فمبادرتكم تعني بالتأكيد أن الدين سيكون أداة حقيقية للسلام ولمساعدة العالم على فهم المعنى الحقيقي للإسلام».
عقبه، تحدثت امرأة من المشاركين قائلة «إنني واحدة من الناس الذين جلبوا من افريقيا وقد اهتدينا عبر السنين إلى الإسلام واحتفظنا بهويتنا الإسلامية رغم العبودية».
وأشارت إلى أن الحوار بين أتباع الأديان مهم لأن الكثير من أفراد أسرهم لا يزالون مسيحيين ولذلك فإن مبادرة خادم الحرمين الشريفين تعمل على إنهاء هذه الانقسامات الظاهرة.
ورداً على هذه المداخلة، قال خادم الحرمين الشريفين «كلنا عبيد للرب عز وجل والحمد لله رب العالمين» .
وفي ختام لقائه المشاركين في المؤتمر، أعرب خادم الحرمين الشريفين عن أمله في أن يرى الجميع بخير ويعمهم التآلف والتقارب والعمل على نشر هذه المبادئ الإنسانية الأخلاقية متمنياً لهم النجاح والتوفيق.
العطية
في ردور الفعل على انعقاد المؤتمر، أشاد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبد الرحمن بن حمد العطية بالدور الريادي والتاريخي الذي قام به ويقوم به خادم الحرمين في بلورة رؤى الأسرة الدولية في سبيل إشاعة قيم حوار الأديان التي تجلت في مؤتمر الحوار بين أتباع الأديان والثقافات في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
ووصف العطية مؤتمر نيويورك بأنه يشكل علامة فارقة ونقطة تحول في تاريخ الأمم المتحدة التي لم تشهد انعقاد مثل هذا التجمع الدولي المهم وغير المسبوق. وقال في تصريحات له في نيويورك على هامش مشاركته في المؤتمر، إن خطاب خادم الحرمين الشريفين في افتتاح مؤتمر نيويورك يمثل دعما غير محدود لنهج الحوار بين أتباع الديانات. ورأى أن القيم والأفكار والمبادئ والتصورات التي طرحها خادم الحرمين الشريفين في خطابه ومنها اقتراحه استمرار حوار أتباع الأديان جاءت لتؤكد حيوية دوره في خدمة الإنسانية والانتصار لقيم التسامح والمحبة والتواصل الإنساني الخلاق.
وقال إن مضمون الخطاب جسد أيضا حكمة النهج الذي يرفع لواءه خادم الحرمين الشريفين وهو يتصدى بوعي وحزم لقضية حوار أتباع الأديان باعتبارها تمثل مفتاحا من مفاتيح الاستقرار والسلام الشامل والعادل في العالم.
وخلص الأمين العام لمجلس التعاون إلى أن التأييد الدولي لمبادرة خادم الحرمين الشريفين قد جدد التأكيد على حيوية وأهمية الدور الخليجي إقليميا وعالميا، مضيفا «إن مبادرة حوار أتباع الأديان الثقافات تصب أيضا في مجرى الدعم للدور العربي والإسلامي الذي يسعى جاهدا للانتصار لقضايا الحق والعدل خاصة حول قضايا المنطقة وفي صدارتها قضية الشعب الفلسطيني العادلة والمشروعة والتي تحتاج إلى مزيد من الدعم والمناصرة الدولية».
ودعا العطية في هذا السياق الأسرة الدولية إلى تقديم دعم مستمر ومتواصل وفعال لمبادرة حوار أتباع الأديان والثقافات لأنها قادرة إذا تكاتفت الجهود الدولية على إشاعة مناخات جديدة في العالم قوامها الاعتدال والوسطية في عالم يئن من مشكلات الانغلاق والتطرف والتعصب ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التآلف والتعاون استنادا إلى لغة التفاهم والتعاون ونهج الحوار.
اليمن
وأكد مستشار الرئيس اليمني للشؤون الثقافية رئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح أهمية انعقاد مؤتمر الحوار بين أتباع الأديان. وقال المقالح في تصريح لوكالة الأنباء السعودية (واس) إن الحوار مطلوب بين أتباع الأديان والثقافات وبين البشر أنفسهم كأخوة وجدوا على هذه الأرض ليتعاونوا يحافظوا على الأمن والعدل وتسيير شؤون الحياة فيما بينهم موضحا أن هذه الملتقيات تدعو إلى التعاون والتضامن وتجاوز الخلافات والنظر إلى المستقبل.
ووصف رئيس الدائرة الإعلامية في مجلس الوزراء اليمني يحيى عبد الرقيب الجبيحي من جانبه مبادرة خادم الحرمين الشريفين بأنها تمثل قمة النضوج الفكري والعقائدي والسياسي كونها تهدف بالدرجة الأولى إلى إظهار الحقائق المجردة حول الإسلام باعتباره عقيدة وشريعة ومنهاج حياة إلى جانب كونها تهدف إلى بطلان الدعاوى والأباطيل المغرضة التي تلصق الإرهاب بالإسلام مع أن الإسلام بريء كل البراءة منها.
وأعرب الجبيحي عن أمله أن يخرج هذا المؤتمر الذي يمثل قاسما مشتركا لمختلف الأديان والثقافات بنتائج إيجابية تراعى مصالح الأمة الإسلامية وحاضر ومستقبل الشعوب العربية والإسلامية.
(واس، قنا)




















