أهلاً بميشال كيلو
حازم صاغيّة
موقّع هذه الأسطر يخالف السيّد ميشال كيلو في الكثير من آرائه في "الوحدة العربيّة" و"الإشتراكيّة" و"تحرير فلسطين" وغير ذلك. لكنّ هذا لا صلة له، لا من قريب أو بعيد، بحريّة ميشال كيلو وحريّة كلّ صاحب رأي في أن يعبّر عن رأيه. ولربّما جاز القول إن الخصومة الفكريّة تجعل المطالبة بحريّة الخصم أكثر إلحاحاً وأشدّ أخلاقيّة في الوقت نفسه.
لكنْ في ما خصّ ميشال كيلو تحديداً، إبن الثامنة والستين عاماً، والذي سبق أن اعتُقل في السبعينات، هناك أمران إضافيّان ولافتان:
الأول، أن التهمة التي أحيل على ضوئها إلى محكمة الجنايات ليست أقلّ من "إثارة النعرات الطائفيّة والنيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القوميّ". وحين يقال هذا الكلام في ميشال كيلو، القوميّ العربيّ والمعادي الشرس للطائفيّة، تكون السلطة قد دخلت طور اختلالها الذهنيّ الكامل. وهذا، للأسف، حال السلطة السوريّة التي تحوّلت آلة عنف محض مفصول عن كلّ حاجة إلى الإقناع (وكلّ سلطة مهما أوغلت في القمع تحتاج درجةً من إقناع خصومها بما تفعل).
فالسلطة "القوميّة العربيّة" حين تعتقل "القوميّ العربيّ" ميشال كيلو مدّة تزيد على الثلاث سنوات، فهذا يعني التعرّي الكامل من كلّ زعم إيديولوجيّ تزعمه (لهذا سمعنا الكثيرين ممن يحالفون الحكم في دمشق يعترضون على معاملة كيلو أو يتوسّطون، عبثاً، لإخراجه من السجن… لكنّهم طبعاً لا يتوصّلون إلى النتائج المنطقيّة المترتّبة على تلك المعاملة).
وللأسف فحين تتلاءم الحسابات الإقليميّة مع تركيب سلطويّ مغلق على الخارج وتأثيراته، لا يعود مهمّاً أن يكون كيلو رئيس مركز حريّات للدفاع عن حريّة الرأي والتعبير في سوريّا، وناشطاً في لجان إحياء المجتمع المدنيّ، ومحلّلاً سياسيّاً وكاتباً ومترجماً. فهذه الصفات جميعاً تُحسب، والحال هذه، عليه وليس له.
والثاني، وهذا اعتبار لبنانيّ بحت، أن ميشال كيلو ورفاقه المثقّفين والإعلاميّين الذين اعتُقلوا، ولا زالوا معتقلين، وقد فاق عددهم المئة والستين سجيناً، إنّما أودعوا السجن على خلفيّة توقيع "إعلان دمشق – بيروت، بيروت – دمشق" من أجل "التصحيح الجذريّ" للعلاقات السوريّة – اللبنانيّة وتطبيعها. وما يعنيه هذا أن كيلو ورفاقه دفعوا من حياتهم وحريّاتهم كلفة احترامهم الاستقلال اللبنانيّ، وعلى الإستقلاليّين اللبنانيّين أن يردّوا الدَين ليس لهم فحسب، بل أيضاً لملايين السوريّين الذين يشاركون اللبنانيّين الخضوع لمصدر الظلم والأذى نفسه.
لقد أشار كيلو، إثر خروجه من السجن، لوكالة "آكي" الإيطاليّة إلى أن "قصّتنا تؤكّد على أهميّة قضيّة الحريّة، وكم هي قضيّة راهنة وكبيرة ومهمّة، سواء بالنسبة إلينا كمثقّفين يتطلّعون لبناء مجتمعات مدنيّة ودول ديموقراطيّة وعلاقات قائمة على المواطنة وحقوق الإنسان بين الدولة وبين المواطن، أم بالنسبة للسلطة التي أعطت لقضيّتنا أهميّة لم تحظ بها أيّ من قضايا الرأي العام منذ 8 آذار عام 1963 حتى اليوم، بمعنى أن قضيّتنا كانت الأهمّ بالنسبة للرأي العامّ عمليّاً، من حيث إثارتها للرأي العامّ ومن حيث الاهتمام والانهمام بها".
فأهلاً بميشال كيلو وبقضيّة الحريّة وبصلابته، التي لا يرقى إليها الشكّ، في التمسّك بها والإصرار عليها… في انتظار سائر رفاقه الذين لا زالوا يقبعون في العتم البعثيّ.
لبنان الآن 26/5/2009
+++++++++++++++++++++
حرية ميشال كيلو والعلاقات السورية ـ اللبنانية
فواز طرابلسي
استعاد الكاتب والمناضل السوري العربي ميشال كيلو حريته يوم الثلاثاء الماضي بعد أن أنهى ثلاث سنوات في السجن. وكان اعتقل في حزيران 2006 على خلفية توقيعه «إعلان بيروت ـ دمشق/ دمشق ـ بيروت» وأحيل على محكمة الجنايات بتهمة «إثارة النعرات الطائفية والنيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي».
صدر «الإعلان» المذكور بعد شهرين من المداولات والنقاشات بين
عدد من المثقفين اللبنانيين والسوريين تنادوا من أجل «التصحيح الجذري» للعلاقات السورية ـ اللبنانية «وفاقاً لرؤية وطنية مستقبلية مشتركة». بلغت التوقيعات على «الإعلان» أكثر من خمسمئة توقيع قبل أن تقطعها حملة اعتقالات طاولت عدداً من الموقعين في العاصمة السورية والمناطق.
منذ الأسابيع الأولى لاعتقاله، وحتى قبل مثوله أمام المحكمة، رفض ميشال كيلو عروضاً رسمية بإطلاق سراحه مقابل أن يعتذر. لم يكن رفاق ميشال وأصدقاؤه ليتوقعوا منه غير ذلك. وها هو يستعيد حريته بعد أن نفّذ الحكم كاملاً، لا بل أطلق سراحه بعد تأخير خمسة أيام على انقضاء المهلة.
فليس لأحد منّة عليه أو فضل.
مرحباً بميشال حراً كما هو دائماً.
ولعل أبلغ تعبير عن الفرح هو التذكير بـ«الإعلان» الذي دفع ميشال كيلو ورفاقه ثمن كلماته من حريتهم وأعمارهم، ولا يزال عدد منهم في السجن بينهم أنور البني الذي يقضي عقوبة خمس سنوات للتهمة ذاتها.
تجاوز الزمن مقدمة «الإعلان» التي تعدّد العوامل المباشرة لتدهور العلاقات بين البلدين. وتضيق المساحة عن مقطع طويل يذكّر بنضال الشعبين السوري واللبناني وتضحياتهما المشتركة من أجل الاستقلال والجلاء وقضية فلسطين ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي. أما الرؤية البرنامجية، فيجدر إثباتها في النص.
«أولاً: احترام وتمتين سيادة واستقلال سوريا ولبنان في إطار علاقات ممأسسة وشفافة تخدم مصالح الشعبين وتعزز مواجهتهما المشتركة للعدوانية الإسرائيلية ومحاولات الهيمنة الأميركية. وإننا ندعو في هذا المجال إلى إرساء تلك العلاقات على أسس نابذة لمشاريع الضم والإلحاق والاستتباع من جهة والاستعلاء والتقوقع والقطيعة من جهة أخرى.
في هذا الصدد، يطالب المشاركون السوريون بضرورة الاعتراف السوري النهائي باستقلال لبنان ومغادرة كل تحفظ ومواربة في هذا المجال. ويعلن المشاركون السوريون واللبنانيون معاً تمسّكهم الحازم بمنع أن يكون لبنان أو سوريا مقراً أو ممراً للتآمر على البلد الجار والشقيق أو على أي بلد عربي آخر. وإننا معاً نرى أن الخطوات الأولى في هذا الاتجاه تتمثل بترسيم الحدود نهائياً والتبادل الدبلوماسي بين البلدين.
ثانياً: نعلن تمسكنا بحق سوريا في استعادة كامل أراضيها المحتلة في الجولان واستعادة لبنان أرضه التي لا تزال محتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بكافة الوسائل المتاحة بعد الإعلان الرسمي السوري عن لبنانيتها تحت مظلة الشرعية الدولية، كما نؤكد تمسكنا بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وبما يضمن لفلسطينيي الشتات حق العودة إلى وطنهم تنفيذاً للقرارات الدولية.
ثالثاً: نؤكد أن الاختلاف في الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين بلدينا قابل لأن يكون مصدر غنى وتنوّع وتكامل لا يحول إطلاقاً دون التعاون والتنسيق والتكامل بينهما. على أن هذا يشترط إجراء تصحيح تلك الأنظمة بناءً على مراجعة نقدية شاملة للتجارب الماضية في البلدين معاً. وإننا نعلن في هذا الصدد عن اقتناعنا العميق بأن البلدين قادران على ابتكار رؤية للتنسيق والتكامل بينهما بما يحقق تزخيم الطاقات والإمكانات والمزايا التفاضلية التي يزخران بها خصوصاً في مواجهة التحديات المتعددة التي تطرحها العولمة والآفاق الواسعة التي تفتحها.
رابعاً: نطالب بضرورة احترام وتنمية الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان وبناء دولة القانون والمؤسسات والانتخابات الحرة وتداول السلطة ووحدة الدولة وبسط سلطتها على كامل ترابها الوطني. ونؤكد على الأهمية الاستثنائية التي تكتسبها مسارات التحوّل الديموقراطي في حماية الاستقلال وتعزيز قدرات شعبينا في معاركه الوطنية والقومية.
خامساً: ندعو إلى إرساء العلاقات الاقتصادية بين البلدين على الشفافية والعلانية والتكامل بما يراعي المصالح الشعبية (…).
استنكر «الإعلان» في الفقرة السابعة أعمال التمييز والعنف ضد العمال السوريين في لبنان وطالب السلطات اللبنانية باعتقال مرتكبيها وتقديمهم للمحاكمة. ودعا في الفقرة الثامنة إلى «سن قوانين تنظّم انتقال العمالة واستخدامها بين البلدين لضمان مصالح العمال واحترام حقوقهم». وطالب في الفقرة التاسعة السلطات السورية بالكشف عن مصير المفقودين اللبنانيين. وختم بضرورة مراجعة الاتفاقات المعقودة بين البلدين «اختتاماً لمرحلة منقضية وافتتاحاً لأخرى تقوم على التكافؤ والتعاون والمصالح المشتركة».
* * *
بعد أن أصدر القضاء الرسمي حكمه، حريّ أن يَمثُل ميشال وزملاؤه من كاتبي وموقعي «الإعلان» أمام محكمة الرأي العام في البلدين للحكم عليهم في هذه «القضية». وليس المهم فقط أن يصدر حكمه ما إذا كان ميشال كيلو ورفاقه يستحقون السجن، على هذا الكلام وبالتهم التي اتهموا بها. الأهم أن يتقرّر مدى صلاحية هذا «الإعلان» نقطة انطلاق في نقاش، ازدادت ضرورته وبات الآن أرحب إمكانية من أي وقت مضى، من أجل صياغة وتطبيق رؤية مستقبلية للعلاقات بين البلدين تتعلّم من أخطاء الماضي ودروسه لكي تتجاوزها.
======================




















