معظم التعليقات على خطاب الرئيس الاميركي باراك أوباما في القاهرة تركزت عند نقطة تحويل النيات الطيبة التي يمتلئ بها الخطاب تجاه العالم الاسلامي الى مسائل عملية.
الخطاب نفسه والتعليقات عليه لا تترك مجالاً للشك في المجال المرشح ليكون المحك للمقاربة الاميركية الجديدة للشرق الاوسط. فالخطاب اعتبر ان وضع الفلسطينيين لا يحتمل التأجيل والتعليقات اعتبرت ان كل كلام أميركي لا يترجم فلسطينياً هو مجرد خطاب جميل.
قبل الخطاب بأسابيع قليلة اختارت ادارة أوباما إثارة موضوع تجميد الاستيطان باعتباره المدخل لإفهام الاسرائيليين بجدية الرئيس الاميركي في مقاربة الملف الفلسطيني.
وكما هو متوقع أثار موضوع الاستيطان، وبحجة النمو الطبيعي للمستوطنات، نقاشاً اميركياً – اسرائيلياً مفتوحاً على اهتزاز التركيبة الحكومية الاسرائيلية، مما اقتضى تعديلاً في المقاربة الاميركية بعد الخطاب.
فاليوم بات مطلوباً المباشرة "الفورية" في المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، وفي هذا الاطار يمكن حل مسألة التجميد الخاص بالمستوطنات. أي ان الترسيم الأولي للحدود التي ستنسحب اليها اسرائيل في الضفة الغربية يميز، ربما، بين النمو الطبيعي المقبول، في مستوطنات ستبقى مع اسرائيل في النهاية، والنمو الآخر غير المقبول في المستوطنات التي سيكون مصيرها التفكيك.
استئناف المفاوضات يحل مشكلة الاشتباك "التمهيدي" هو المستوطنات، إلا أنه يتطلب من رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو حل المشكلة الاخرى المتعلقة بحل الدولتين، باعتبار ان "الشريك" الفلسطيني لا يستطيع الجلوس الى الطاولة بدون هذا الحد الادنى.
على هذا الصعيد، يبدو ان نتنياهو قد حزم أمره على التلفظ بالكلمة السحرية "دولتين لشعبين" التي تشكل رمزاً لانتصار أول للرئيس الاميركي، وتشكل أيضاً مواجهة مبكرة للشركاء في الائتلاف الحكومي الاسرائيلي، ربما تكون أقل حساسية من المباشرة بـ"استفزاز" المستوطنين.
"التنازل" في قضية الدولتين يفتح أمام نتنياهو المجال واسعاً للمناورة في معظم القضايا التي تقع تحت هذا العنوان، مع التخلص من الضغوط الاميركية المباشرة التي تهدف لتقديم وسيلة ايضاح سريعة للموقف الاميركي الجديد.
وليس من المبالغة القول ان مبادرة نتنياهو الى اعلان قبول حل الدولتين مبدئيا يحرره لبضعة أشهر من قبضة الرئيس الاميركي الجديد، في انتظار الاستعصاءات المقبلة في كل الملفات (الحدود، طبيعة الدولة، القدس، اللاجئين…)، ويحول الضغوط الاميركية الى الجانب الفلسطيني والعربي.
بعد اعلان نتائج الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة كان من المنتظر ان يؤدي وصول اليمين الى تعسّر تشكيل الحكومة الاسرائيلية، وفي المقابل الى تسهيل المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية برعاية مصرية.
لكن الأشهر القليلة التي مرت أثبتت، عكس معظم التوقعات، مرونة في العلاقات بين التشكيلات السياسية الاسرائيلية، وتصلبا في العلاقات الفلسطينية – الفلسطينية، رغم الخطر الاسرائيلي، والفرصة الاميركية.
لذلك يواجه الفلسطينيون اليوم القرار الاميركي باستئناف سريع للمفاوضات مع اسرائيل، بسؤال يتعلق بمن يمثل المفاوض الفلسطيني، وكيف يمكن ادارة المفاوضات فيما قطاع غزة دولة قائمة بذاتها، والضفة الغربية أخذت تشكل في الآونة الاخيرة مسرحا للاشتباكات بين "حماس" والسلطة الفلسطينية.
الوساطة المصرية يبدو كأنها استنفدت نفسها رغم كل الصيغ التي طرحتها لتجاوز صعوبة تشكيل حكومة فلسطينية واحدة تشرف على انتخابات تشريعية ورئاسية مطلع السنة المقبلة.
ليس من الصعب طبعا التكهن بمصدر الصعوبة في المفاوضات الفلسطينية. فعندما تكون العلاقات العربية – العربية مجمّدة، بعد فورة المصالحات الاولى، تصعب الحلحلة الفلسطينية، خصوصا بعدما انتهى عهد "القرار الفلسطيني المستقل" الذي كان يؤمن صوتا فلسطينيا مفاوضا واحدا، يستطيع دائما استيعاب المعارضة الفلسطينية حتى وهو يقدّم التنازلات ويوقّع الاتفاقات.
لذلك ربما يكون متعذرا ان نشهد انطلاقة المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، المشروطة بـ"تطبيع" الوضع الفلسطيني الداخلي، قبل ايجاد حل لمشكلة العلاقات العربية – العربية، وعنوانها هذه المرة كيف يمكن ادخال سوريا في العملية التفاوضية في موازاة الفلسطينيين.
وهذا الامر يفتح بالتأكيد قضية أين وصلت العلاقات الاميركية – السورية؟
ماذا يعني كل ذلك؟ في مدريد، مطلع التسعينات، انطلقت مسارات التفاوض كلها، ثم "أثمرت" اتفاقا منفردا فلسطينيا – اسرائيليا، لذلك ربما سيكون مطلوبا من الاميركي المستعجل ان يوسّع دائرة "العملية السلمية" ولو كانت عينه مركزة على مسار قبل غيره.
"النهار"




















