-1 امضى مواطنون اربع ساعات كاملة ينتظرون على ابواب اقلام الاقتراع قبل ان يتسنى لهم ان يدلوا باصواتهم. وهم كانوا انتظروا طويلاً على الطرقات قبل ان يصلوا الى هذه الاقلام، بسبب سوء تنظيم السير. كانت تجربة عصيبة تلك التي مروا بها خلال اليوم الانتخابي نهار الاحد الفائت.
تجاذبتهم مشاعر متناقضة وتساءلوا لماذا يقبلون التعرض لما يتعرضون له؟ ولماذا لا يعودون بكل بساطة الى بيوتهم؟ جعلهم ذلك اليوم الانتخابي يتعرضون للامتهان، كما في كل مرة يدخلون فيها في علاقة مع الادارات العامة. جاءت بهم الى اقلام الاقتراع مشاعر ايجابية ورغبة بالمساهمة ولو من خلال صوتهم في جعل الامور تتغير. وبقي لهم من تجربتهم هذه شعور بالمرارة والخيبة.
هذا الشعور بالمهانة ضاعفه وجود كل هذه الاعداد من اللبنانيين المهاجرين الذين عادوا ليروا البلد الذي تركوه، وليروا هل تغير شيء فيه. وتأكّد لهم ان هذا البلد الذي "طفّشهم" هو نفسه، يعرضهم الآن للمهانة بمجرد ان يضعفوا امامه.
واظهرت الاخبار التي وردت من مختلف الجهات ان الانتظار والتدافع كانا القاسم المشترك لكل اللبنانيين، كائناً ما كانت المناطق التي اقترعوا فيها. واظهرت ان الاكتظاظ كان سببه الرئيسي النقص في اقلام الاقتراع وضعف كفاية الموظفين. وبلغت مهانة المواطنين حدها حين كان رجال الامن يتواطؤون مع الماكينات الانتخابية المسيطرة لتسهيل مرور مناصري هذه الماكينات، وترك الآخرين ينتظرون. وعرف هؤلاء انه كان عليهم ان يعتمدوا الواسطة هم ايضاً ليتمكنوا من الاقتراع.
-2 فاض الاعلاميون بالمديح لوزير الداخلية، واعتبروا ان ما حصل انتصار حقيقي له. والكثيرون منهم يسرفون في ما يقولون ويجانبون الحقيقة. اعطى انتشار الجيش الناس الشعور بالأمان لكي يتجرؤوا في الاساس على الخروج من بيوتهم في مثل هذا اليوم. فالكلام الطنان والادعاءات لم تعد تمر عليهم. وهو يعرفون انهم انما يعيشون في بلاد هي في حال شبه حرب اهلية دائمة، في الايام العادية.
لكن تحول هذا اليوم الى تجربة عصيبة بالنسبة لهم مرده الى ان المعنيين بتنظيم الامور على الطرقات وفي اقلام الاقتراع لم يؤدوا واجباتهم على النحو الصحيح. يقف رجل الامن ليتولى مسؤولية ما، لكنه يكون حاضراً وغائباً في الوقت عينه، او ان حضوره او غيابه لا يقدمان ولا يؤخران.
الجهاز الذي تولّى تنظيم عملية الاقتراع والاشراف عليها هو الذي جعل هذا اليوم جحيماً بالنسبة للمواطنين. لم يأخذ المعنيون بهذا الامر تعليمات مكتوبة ودقيقة ومحددة، بغية تطبيقها بحزم وبصرف النظر عن المكان والزمان. لم يكن المسؤولون عمّن هم على الارض معنيين بمتابعتهم بطريقة حازمة. يتحمّل وزير الداخلية مسؤولية سوء أداء الجهاز الذي تولى تنظيم سير العملية الانتخابية. لا يشفع للوزير ان يقال ان ايديه مغلولة او ان سلطته محدودة او انه لا يستطيع كذا وكيت… تنتفي اهمية كل هذا حين يتناول الامر كرامة المواطنين. وفي الاساس فان الدول الفاشلة هي فاشلة بسبب سوء أداء اداراتها الرسمية وليس لأي سبب آخر.
( استاذ في كلية ادارة الاعمال في الجامعة اللبنانية )
"النهار"




















