أثار الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي بالقاهرة يوم 04/06/2009 فيضا من التعليقات في الساحة العربية، وكان الغالب على هذه التعليقات التشكيك في النوايا الأميركية بإحدى صيغتين، إما بمقارنة أوباما بسابقيه من الرؤساء الديموقراطيين، وخاصة كارتر وكلينتون، واعتبارهم خطباء مفوهين يميّزهم عن الجمهوريين حسن الكلام لا حسن السياسة، أو النظر إلى أوباما على أنه شخص حالم لن يستطيع أن يغيّر واقعا تحكمه عوامل شديدة التعقيد ومصالح بالغة التناقض.
لكن ثمة ما هو أخطر من هذا الموقف، وهو أن ينظر إلى أوباما على أنه أتى إلى القاهرة للاستسلام وأن مبادرته للتقارب مع المسلمين تؤكد صحة موقف جبهات التطرف المختلفة في العالم الإسلامي التي آمنت بأن العنف وحده يغيّر التاريخ. وعليه، قد تكون إحدى النتائج غير المنتظرة للمبادرة الأميركية تشجيع ثقة قطاعات من الشارع العربي بهذه الجبهات واستغلال هذه المبادرة لمزيد التشكيك في ضرورة إصلاح الأوضاع العربية والإسلامية، خاصة وقد ارتبطت قضايا الإصلاح في السنوات الأخيرة بالتدخل الأميركي في المنطقة على مختلف أشكاله.
والواقع أن مصائر الإصلاح في العالم العربي والإسلامي ليست مرتبطة بالأجندات الأميركية وبالتوجهات التي يتخذها هذا الرئيس أو ذاك انطلاقا من مصالح بلده دون مصالح المنطقة، وليس المقصود نفي العلاقة بين الوضع السياسي العالمي والوضع الإقليمي، فلا شك أن قضية الإصلاح تتنزل في إطار حراك جيوستراتيجي عام وأن الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها القوة الأكبر في العالم، تؤثّر بأشكال مختلفة في مصائر جميع الشعوب.
لكنّ قضية الإصلاح هي قضية شعوب المنطقة أوّلا وأخيرا، لذلك ما فتئنا نؤكد في عهد الرئيس الأميركي السابق أن الإصلاح ليس مطلبا أميركيا بل هو مسار تاريخي استفتحته المنطقة منذ القرن التاسع عشر وتداخل فيه منذ ذلك الحين المحلّي بالخارجي في ظل العولمة التي تتقلص فيها المساحات الفاصلة بين هذا وذاك. فالمسار الإصلاحي مدعوّ للاستئناف والتواصل بصفته تلك، وليس لكون رئيس أميركي قد دعا إليه أو وظفه لمآرب أخرى.
ولا بدّ من مواصلة التأكيد اليوم على أنّ الإصلاح ضرورة ومطلب ينبعان من صميم الحراك التاريخي والاجتماعي للمنطقة، في مستوياته السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، فلا معنى للتراجع عنه لافتراض أنّ المواقف الأميركية قد تغيرت، فمتى سلمنا أن الإصلاح ضرورة داخلية فإنه يصبح مطلوبا أكثر من أي وقت مضى، لأن البعض كان يقول في عهد الرئيس بوش الابن أنّ التحديات الأميركية تفرض تحصين الذات وأن الإصلاح تحت الضغط ينتج عكس المقصود، ومع أننا لم نكن من أنصار ذلك الطرح المحافظ فإنّ تغير اللهجة الأميركية اليوم ينبغي أن يكون حافزا إضافيا لرفع كل التحفظات على مطلب الإصلاح واعتباره المطلب الجوهري والرئيسي في المنطقة، بأبعاده الأربعة التي أشرنا إليها، أي السياسي والاقتصادي والثقافي والديني.
من هنا وجب التحذير من الوقوع مجددا في فخّ صراع الحضارات، فلم يأت الرئيس الأميركي إلى القاهرة ليعلن هزيمة بلده في هذا الصراع، لأنّ ما كان واقعا ليس صراع حضارات من الأصل بل هو وضع سيطرت فيه التصورات القصوى وظنّ خبراء أميركان أنّ بإمكانهم فرض وجهات نظرهم دون اعتبار طبيعة المنطقة وتعقيداتها ورؤاها الذاتية للأشياء.
لقد جاء أوباما ليعلن انتهاء الغطرسة الأميركية ونحن نشكر له ذلك لأن هذه الغطرسة مثلت في السنوات السابقة عائقا من عوائق الإصلاح. وثمة عامل ثان يستحق الشكر في خطابه وهو تأكيده بصفة واضحة على أن الدين الإسلامي ليس محلّ النزاع.
وعلى عكس ما ذكر بعض المعلقين فإن أوباما لم يحدث بهذا الإعلان أي تغيير في التقليد الأميركي، بل إنه عاد إلى هذا التقليد بعد أن انحرف عنه سلفه، فالولايات المتحدة بلد تغلب فيه نزعة التديّن لكنه ليس بلدا دينيا، فقد تأسس على مبدأ التعددية الدينية وحرية الضمير الفردي، وكان الكثير من منشئيه قد قدم من أوروبا فرارا من صراعاتها الدينية كما كان العديد من آبائه المؤسسين من المفكرين الأحرار الحالمين بأن تتجنب القارة الجديدة مآسي التعصب التي كانت قد عصفت بالعالم القديم.
لم يفعل أوباما أكثر من العودة على هذه الروح الأميركية العريقة، بعد أن شهدت بعض الانحراف بسبب منح بعض اللوبيات الدينية أدورا سياسية والتضييق على قطاعات من الجالية المسلمة ومنح مناصب حساسة لبعض الأشخاص المشهورين بعدائهم للإسلام، إلا أنه ينبغي التذكير أيضا بأن كل هذه الظواهر كانت محدودة وأن السياسة الأميركية ظلت حريصة دائما على التمييز بين الإسلام والإرهاب.
ويبقى في عهدة المعلقين العرب أن لا يقرأوا بدورهم الأزمة بين أميركا والعالم الإسلامي على أنها أزمة دينية، فالمطلوب من الأديان جميعا أن لا تعقّد سبل التفاهم بين البشر من أجل تحقيق مصالحهم المشتركة دون إيقاع العنف والدمار بالأبرياء.
* كاتب وجامعي تونسي.




















