وليد شقير
اكتفى الأمين العام لـ «حزب الله» في خطابه التقويمي السريع للانتخابات النيابية اللبنانية بالقول إن تصويت جمهور المقاومة وجّه «رسالة الى كل العالم بأن خيار المقاومة ليس خيار حزب مسلح ولا عصابة مسلحة بل هو خيار شعبي وتعبير عن إرادة الناس التي يجب أن تحترم».
وهذا صحيح، لا سيما أن التصويت الشيعي في الجنوب والبقاع الشمالي والضاحية الجنوبية يمكن تصنيفه في هذا السياق. فهذا الجمهور العريض هو الذي يشكل قاعدة الحماية اللبنانية للحزب، بغض النظر عن محاولة الحزب الدخول في نقاش لا طائل منه حول الأكثرية الشعبية للتخفيف من وقع فشل المعارضة في التحول الى أكثرية في البرلمان اللبناني، بقيادة الحزب، الذي يشكل عمودها الفقري ومرجعيتها. وهو ما تُرجم أثناء الانتخابات بلعبه دوراً رئيساً في تركيب اللوائح في غير دائرة خارج دوائر سيطرته الساحقة، وفي حركة ماكينته وهالته والثقة المفرطة بالنفس بأنه لا يقهر ولا ينكسر انتخابياً.
وإذا كان لا جدال حول الالتفاف الشيعي حول الحزب، في الوسط اللبناني، فإن رسالة هذا الجمهور الى الخارج كانت حاجة ملحة في وقت يتعرض لما تعتبره قيادته حملة دولية، وهو أبرز النتائج الانتخابية للقول بشرعيته الشعبية، بعدما تعذر عليه انتزاع الشرعية الدستورية عبر تحوله وحلفائه الى أكثرية نيابية. وإذا كان الكلام عن أن الانتخابات لم تغير شيئاً في الواقع اللبناني (وهو أمر خاضع للنقاش أيضاً) لأن الأكثرية بقيت لمصلحة الطرف الذي حاز عليها في السنوات الأربع الماضية، فإن الانتخابات كانت لتغيّر الكثير، لو فاز الحزب والمعارضة بهذه الأكثرية. فاكتسابه الشرعية الدستورية، إضافة الى الشرعية الشعبية، يعني الكثير له ولإيران وسورية في السياق الإقليمي سواء اتجه نحو التفاوض والتسويات أم نحو المواجهة.
والقول إن الحزب لم يكن يريد الفوز بالأكثرية لأن في إمكانه إدارة الوضع كسلطة على الأرض من دون أن يكون في الواجهة، تجافيه الثقة المفرطة بأن المعارضة ستفوز وتحكم، وهي ثقة كان عبّر عنها السيد نصر الله وقادة الحزب كافة، ونجمت عن نشوة القوة المفرطة التي استخدمها الحزب في 7 ايار (مايو) 2008.
ومع أن هذا الإفراط أخفق في صناديق الاقتراع، بالإجمال، فإن بقاياه ما زالت قائمة في المكابرة بعدم الاكتراث بانخفاض شعبية الحليف المسيحي للحزب زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون. كما أن هذا الإفراط أخفق أمام واقع أكثر أهمية: لم تستطع قيادة الحزب للمعارضة أن تخترق الساحة السنية التي بقيت معقودة اللواء للنائب سعد الحريري. ولربما أمكن القول إنه إذا كان الحزب هو الخاسر الأساسي في الانتخابات فإن الحريري هو المنتصر الأساسي قياساً الى ما حصده حلفاؤه، فبعضهم انخفضت حصته. لكن هذا لا يلغي طبعاً الآثار السيئة للاصطفاف السنّي والشيعي على الوضع اللبناني، مع ما يحمله من مخاطر معروفة.
غير أن هذا الإخفاق بالجملة، لم يمنع الحزب من توجيه عدد كبير من الرسائل، بالمفرق. وإضافة الى الرسالة الى الخارج عن أن المقاومة خيار شعبي، فإن أطرافاً داخلية كثيرة تلقت رسائل ذات مغزى من خلال صناديق الاقتراع، تصنف في خانة الربح. ويمكن تلخيص هذه الرسائل كالآتي:
1 – الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، عبر الصوت الشيعي المرجح في دائرة جبيل مسقط الرئيس الذي سعى فيها الى الحصول على مقعدين للمستقلين الذين يلوذون به. والرسالة كانت أن جبيل للرئيس جغرافياً، لكنها للحزب وحلفائه، سياسياً.
2 – للعماد ميشال عون: إن استمرار وجوده السياسي بات يتوقف على الحزب، نظراً الى أن أصواته الشيعية (الساحقة ضمن الطائفة) هي التي أنجحت لوائحه في جزين وبعبدا وجبيل. والبعض يقول إن ما يقارب ألف صوت شيعي في كسروان حالت دون اختراق النائب السابق منصور البون للائحة عون. ويذهب هذا البعض الى حد القول أيضاً إن الأرجحية لعون في المتن الشمالي نجمت عن أكثر من ألفي صوت شيعي إضافة الى ترجيح حزب الطاشناق له.
3 – الى الرئيس نبيه بري بأنه على تصدره بحكم موقعه التمثيل الشيعي، فإن القرار السياسي للحزب ليس مستعداً لمسايرته، إذ أن نفوذ الحزب حال دون تنفيذ بعض الأوساط الشيعية في دائرة عاليه نصيحته إليها بالتصويت للنائب أكرم شهيب إكراماً لعلاقة رئيس المجلس مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وحال هذا النفوذ دون تنفيذ هذه النصيحة في بعبدا للنائب أيمن شقير. وكان الأمر أكثر وضوحاً بعدم مسايرة الحزب لمرشح بري وصديقه الشخصي النائب سمير عازار في دائرة جزين.
4 – الى النائب جنبلاط بأن الحزب لن يغفر له مواقفه السابقة على رغم انفتاحه منذ أشهر مع ما يعنيه ذلك من تأكيد أن لا وجود لجنبلاط في دائرة بعبدا من دون قبول الحزب بذلك.




















