المستقبل –
يضم الكتاب نصوصاً لها اعتباراتها وأهميتها بالنسبة لمسار كاتبها السياسي والفكري وبالنسبة لمضمونها المعرفي ودلالاتها التاريخية، نصوصاً ليست كلها بنت ساعتها، بل ان مرجع تاريخ كتابة معظمها يعود الى المدة الفاصلة بين الأعوام 1959 و2002، فهي والحال هذه تغطي أربعاً وأربعين سنة من تاريخ تعامل كاتبها مع القلم. أما مضامينها فهي سياسية وثقافية.. انها نوع من المذكرات السياسية الثقافية التي تؤرخ للحركة الوطنية التقدمية بالمغرب التي كان من أشهر مؤسسيها الزعيم المغربي المعروف المهدي بن بركة عام 1959، وان من أبرز مناضليها الشباب، بخاصة في المجال الصحفي والفكري صاحب هذه المذكرات، وهي من جهة أخرى تعكس مراحل تطور الوعي العربي بصفة عامة، منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي الى اليوم. هذا وان كثيراً من هذه النصوص سبق أن تم نشره اما في جرائد ومجلات مغربية، بعضها لم يعد متداولاً كجريدة التحرير مثلاً وبعضها تم نشره في جرائد ومجلات تصدر بالمشرق وليس لها حضور يذكر في المغرب، وبعضها مما يكون قد أطلع عليه بعض القراء.
الارض من خلال المقالات من خلال المقالات، او اصابات د.الجابري عن اسئلة بعض الاساتذة والصحافيين. والبعض الآخر مما سيطلع عليه القارىء في هذا الكتاب وقد جاء على شكل تعليقات وشروح وذكريات تمت كتابتها حين اعداد مادة هذا الكتاب للطبع، وهي تنشر لأول مرة.
ان القسم الأول من هذه النصوص، أو كما أحب صاحبها أن يسميها "حفريات الذاكرة" عكس وعيه السياسي وفهمه للأحداث التي شارك فيها أو كان شاهداً عليها، الأحداث التي كان يمر بها وطنه مستنداً وفيما يتعلق بما قبل العام 1959 الى ذاكرته الوطنية التي يعتبرها جزءاً من ذاكرته الشخصية، لأن الفهم الذي تكوّن لديه في تلك الفترة لم يحصل عليه مرة واحدة من هذا المصدر أو ذاك؟ بل هو حصل عليه بشكل تراكمي طيلة تجربته السياسية والى اليوم.
لقد عرف د.الجابري تاريخ الحركة الوطنية في المغرب ليس فقط من خلال "نشرة الحزب"، حزب الاستقلال، وكتابات علال الفاسي وغيره، بل عرفه أيضاً من خلال تجربته "السياسية" ابتداءً من العام 1952، حين كان من شباب هذا الحزب يعيش داخل الأحداث وبالتالي يراها بالمنظار الوطني، كما ويعرف تاريخ الحركة الوطنية من خلال نتائجها. وهنا يقول بأن كل ما جرى في المغرب منذ العام 1959 ويجري الى الآن فيها انما هو نتيجة أو ثمار لما تم غرسه من قبل.
وهذا الـ"قبل" يمتد الى مثل هذا الوقت من القرن الماضي، القرن العشرين، مضيفاً أن ما يعيشه المغربيون اليوم مما هو سيء أو جيد في حياتهم الوطنية لا يفهم ـ على الأقل في نظرة ـ الا بالنظر اليه ضمن سلسلة من الأحداث تغطي الآن قرناً بكامله: مئة من السنين. هذا بالنسبة لذكريات الجابري الوطنية قبل العام 1959.
أما بعد هذه الفترة فهو يكتب عن تجربة سياسية وطنية خاضها بصدق. وهذا انما يتعلق لإخلاصه للأهداف التي كانت من أجلها تجربته تلك. وحول ذلك يقول انه سواء تعلق الأمر بما قام به من أعمال أو بما كتب من نصوص أو أبدى من آراء في تلك الفترات داخل هذه التجربة ومن أجلها، فإنه لم يحدث قط أن صدر منه فعلاً أو كتابة، إلا ما كان معتقداً في صوابه، أو في كونه يخدم الأهداف النبيلة التي كانت تنشد اليها تجربته السياسية تلك. وهو الى هذا يؤكد على مصداقيته فيما دوّنه مئة في المئة، وان كان أخطأ في هذا أو ذاك، انما كان خطأ واقعاً ضمن التجربة، بل كان جزءاً منها، وبالتالي، كان ذلك استجابة لمعيار الصدق والصواب حين وقوعه. من هذا المنطلق يمكن القول بأن هذه المذكرات ليست ذلك النوع الذي يكتبه رؤساء الدول أو الاحزاب أو الفاعلون السياسيون، يعرضون فيها وقائع حياتهم السياسية، ويلقون فيها أضواء على أحداث شاركوا فيها، ولا هي من صنف المذكرات التاريخية، ولا هي حتى من صنف السيرة الذاتية التي يتحدث فيها الكاتب عن نفسه بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب.. ليعرض تجربته الشخصية وان كانت ستحتوي على "شيء ما" من كل هذا، إلا انها جاءت بمثابة تقديم قراءة تمتزج فيها الذكرى والرأي والتحليل لمسار وتموجات "الحركة الداخلية" في الوطنية المغربية منذ نشأتها الى اليوم.
وأما مضامين النصوص التي تلت تلك، فهي نصوص عكست وعي د. الجابري الثقافي والايديولوجي وتموجاته مع تموج الحياة العامة خلال العقود الخمسة الأخيرة من عمره الزمني، كما عكست رؤيته لبنية السلطة في المغرب في عهد الحماية الفرنسية، ثم نظرته الى الحكومات المغربية في بداية الاستقلال، كما أبرزت رأيه في مسألة الديموقراطية وفي الزمن أو المرحلة المناسبة لتطبيقها، لأن الأولوية، في زمن الحماية الفرنسية، هو للاستقلال، حيث ارتأى حينها ضرورة بقاء السلطة التشريعية بيد الملك، فإن في ذلك ضمان لحقوق المغرب، ثم يستعرض رؤاه السياسية في شكل الحكم بعد الاستقلال، في المراحل السياسية التي مر بها المغرب الى هذا الحين، مؤكداً في كل مقالاته على الديموقراطية وموجهاً النظر بصورة ملحة الى ضرورة ان تكون للصحافة المغربية حريتها، والذي انما يمثل انتصاراً للديموقراطية المغربية بصورة عامة.
[ الكتاب: في غمار السياسة فكراً وممارسة
[ الكاتب: د. محمد عابد الجابري
[ الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009



















