-29-
في لقاء مع احد متابعي الفريق الاميركي المكلف من الرئيس اوباما متابعة "الموضوع الايراني"، بدأ الحديث باسئلة عن لبنان وبأجوبة عنها، ثم انتقل الى ايران بأسئلة وبأجوبة عنها في ضوء زيارات ثلاث قمت بها لطهران وإن على مدى سنوات طويلة، وكذلك في ضوء علاقة صداقة متقطعة معها وإن مستمرة. وقد حاولت في اجوبتي شرح رؤيتي للاوضاع والموضوعات والقضايا بموضوعية وبغية التشجيع ليس على الحوار فقط بل على إنجاحه. على كل ذلك علّق المتابع نفسه قال: "نحن لا نزال في بداية الانخراط في الحوار مع ايران. حصل اجتماع في موسكو في اطار لقاء منظمة شنغهاي. وعقد اجتماع آخر في لاهاي. لم يكن الاجتماعان ثنائيين بل حضرهما آخرون. وجرى تبادل كلام ونوع من حوار ولكنه لم يكن مجدياً. وعلى كل من يتناول موضوع الحوار بين واشنطن وطهران ان يدرك ان الادارة الاميركية السابقة كانت تقول ان خيار العمل العسكري لا يزال على الطاولة. اما الإدارة الجديدة فإنها لا تتحدث عن الخيار العسكري بل عن خيار الحوار، ولا تقول انه على الطاولة. وفي اي حال يُخطىء من يعتقد ان الحوار مع ايران يعني تغيير اميركا مواقفها وقبول ايران كما هي. هناك امور يجب البحث فيها حتى تغيرها ايران. وهذا يعني ايران الثورية والمُهدّدة لجيرانها والمثيرة للقلاقل في الدول المجاورة لها والمستعملة الجماعات الشيعية من مواطني هذه الدول ("حزب الله" اللبناني و"جيش المهدي" العراقي مثلا وغيرهما) – ان ايران هذه يجب ان تتوقف عن ممارساتها المذكورة وان تتغير".
قد يفهم من كلامك ان اميركا تريد تغيير النظام الايراني. علّقت. فرد: "كلا، ليس هذا هو المقصود، بل تصدير الثورة الاسلامية وزعزعة الاستقرار عند الآخرين وداخل دولهم ومجتمعاتهم. طبعاً نحن مع الحريات والديموقراطية. لكن الايرانيين احرار في نظامهم. على كل حال عندما تحدث الرئيس اوباما في خطاب له عن "النظام الاسلامي في ايران" بالاسم كان يوجّه رسالة تفيد انه وإدارته، اي اميركا، لن تستهدف النظام الايراني. ان اهم موضوع في المفاوضات مع طهران هو الملف النووي. ولا بد من ايجاد حل له".
اين اصبحتم في حواركم مع ايران؟ سألت. فأجاب المتابع الاميركي نفسه لمساعي الفريق المكلّف هذا الموضوع من الرئيس اوباما: "مع ايران لا نزال في البداية. الاجتماعات معها ستتم الآن في اطار مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن + المانيا". علّقت: من الافضل البدء فوراً بالاجتماعات الثنائية بينكم وبين ايران. ربما لانها قد ترى نفسها مضطرة في اجتماعات المجموعة التي اشرت اليها الى تكرار مواقفها القديمة غير الايجابية او غير الكافية والمثيرة للخوف والمتضمنة شعارات خصومة وليست مواقف يمكن ان تؤدي الى تفاهمات. فردّ: "انا مع المحادثات الثنائية، وربما تربط ايران بل لا بد ان تربط الموضوع النووي بقضايا اخرى. لذلك لا بد من محادثات ثنائية وإن طويلة نتناول خلالها مع الايرانيين كل الموضوعات والقضايا المختلف عليها. على كل حال هناك امر يجب ألا يبخسه احد حقه هو موقف اسرائيل. فاسرائيل لن تقبل ابداً ايران دولة نووية عسكرياً. ويشكّل ذلك خطراً كبيراً عليها. وقد تجد نفسها مضطرة للجوء الى العمل العسكري لمنع وصول ايران الى هذه الحال، وخصوصاً اذا فشلت المحادثات او الحوار مع ايران".
هل تستطيع اسرائيل ان تنفّذ ضربة عسكرية ناجحة بمفردها الى ايران؟
وهل تستطيع ان تتعامل بنجاح مع مفاعيل ضربة كهذه لاحقاً ومع تداعياتها؟
وهل يمكن ان تنفرد اسرائيل بقرار خطير كهذا من دون التشاور مع الولايات المتحدة؟
سألت. فأجاب: "هذه الاسئلة متصلة ومنفصلة في آن واحد. الأكيد ان لا رئيس وزراء في اسرائيل، سواء أكان نتنياهو أم غيره، قادر على تحمّل "هولوكوست" (محرقة) ثان لليهود، او على توقع احتمال حصوله من دون ان يفعل شيئاً او بالأحرى من دون ان يسعى الى ضرب امكانات القيام به. والأكيد ايضاً ان اسرائيل قد تقوم بهذا الامر من دون معرفة اميركا او اطلاعها او التشاور معها او موافقتها".
يتردد ان هناك سباقاً بين كل من دمشق وطهران على واشنطن (الحوار). ويقال ايضاً ان سوريا ربما ترتاح اذا حققت ايران تقدماً في حوارها مع اميركا قبلها اذ يصبح في استطاعتها الاقدام على امور عدة من دون الخوف من اي رفض ايراني ومن ردود فعل حلفاء ايران وفي مقدمهم "حزب الله" و"حماس" وغيرهما. قُلتُ. فعلّق: "هذا صحيح. ولكن تعلم ان الافضل ربما هو ان تسبق دمشق طهران لكي تتمكن من ان تحصل على ما تعتبر انه مقابل تريده من اميركا او من غيرها، او بالاحرى على ما تعتبر انه حق لها. ذلك ان نجاح طهران في السباق على دمشق قد يجعل الأخيرة مضطرة للسير في المشروع او التسوية التي يتفق عليها الاميركيون والايرانيون وإن يكن لها اعتراض او اكثر او على بعض مضمونها".
ماذا عن الحوار الذي بدأ رسمياً بين اميركا وسوريا منذ اكثر من شهرين؟
اجاب عن هذا السؤال مسؤول اميركي رفيع قريب من المحادثات التي جرت بين واشنطن ودمشق قال: "المحادثات التي جرت بيننا وبين سوريا والتي مثّلنا فيها مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الاوسط جيفري فيلتمان ومسؤول رفيع عن الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي دان شابيرو والتي مثّل فيها سوريا وزير الخارجية وليد المعلم، هذه المحادثات كانت بناءة، علماً ان تكوين الوفد من هذين المسؤولين حمل في ذاته اكثر من معنى. وما جعل المحادثات بناءة هو بدايتها. اذ اقترح فيلتمان على المعلم ان يبدأ الحديث ويطرح كل الموضوعات التي يريد لكي تتم مناقشتها. فكان جوابه: "معنا وقت. اقترح ان نطرح اولاً الموضوعات التي نحن متفقون عليها. نناقشها ثم نطرح الموضوعات الاخرى". اعتبر الوفد الاميركي هذا الطرح "خطوة ايجابية واقتراحاً بناء". سادت المرحلة الاولى من المحادثات اجواء جيدة. تحدث المعلم عن موضوع العراق واظهر رغبة سوريا، بل استعدادها، "للبحث فيه مع اميركا". والمقصود بهذا الموضوع الحدود السورية – العراقية وما يجري عبرها من تهريب للاسلحة وتسلل للارهابيين. واكد ان في "اقفال ملف هذا الموضوع او هذا الملف مصلحة لسوريا، ذلك ان استمراره مفتوحاً يؤذي سوريا الدولة والشعب، ويؤذي سوريا النظام".
ثم تناول الوزير السوري موضوعاً ثانياً هو لبنان الامر الذي فاجأ الوفد الاميركي "الثنائي". سأل: "ماذا تريدون منا في لبنان؟ الآن نحن لم نعد موجودين فيه. جيشنا انسحب منه عام 2005 ولن يعود اليه، ونحن لا نتدخل فيه. ولن نتدخل في الانتخابات النيابية المقررة في 7 حزيران المقبل (جرت) ونريد ان تكون انتخابات حرة ونزيهة وبعيدة من العنف". فكان تعليق الوفد الاميركي ان "بلاده وادارته تريدان ذلك ايضاً". وهنا اثار احد عضويه موضوعاً مهماً بقوله: "المهم ألا تحصل اعمال تؤثّر على الانتخابات". وكرر هذه الجملة اكثر من مرة في اثناء المقابلة الامر الذي جعل المعلّم يسأل بصوت مستغرب ومرتفع بعض الشيء: "عن اي اعمال تتحدث"؟ فكان الجواب الاميركي: "ألا تحصل اغتيالات". اخذ الوزير السوري هذا الكلام بجدية لكنه لم يرد عليه ولم يعلّق عليه، وانما تحدث عن مرحلة ما بعد الانتخابات.
ماذا قال الوزير المعلم عن مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية في لبنان؟
سركيس نعوم
"النهار"




















