إن فوز باراك أوباما يتخطى فوزه بالرئاسة. لقد حصل على فرصة لإعادة ترتيب الساحة الوطنية وإرساء إيديولوجية جديدة للحكم في الغرب. منذ نهاية الحرب الباردة، تلازمت نزعتان سياسيتان في الأنظمة الديموقراطية الغربية. الأولى ــ بقيادة بيل كلنتون وتوني بلير في أوائل تسعينات القرن الماضي ــ جسدت تقدم اليسار بشكل مطرد نحو تقبل الأسواق الحرة والقيم التقليدية، من أجل اجتذاب الناخبين من عامة الشعب. والثانية تمثلت في التراجع الإيديولوجي لحركة المحافظين، التي أصبحت الآن مليئة بالتناقضات والفساد، تجلت في إدارة جورج دبليو بوش التي تبنت أجندة الرئيس
ويلسون والتي تقضي بتوسيع دور الحكومة. هاتان النزعتان تقاطعتا عام 2008.
بالطبع، عدد الأمريكيين الذين لايزالون يعتبرون أنفسهم محافظين يفوق عدد الذين يعتبرون أنفسهم ليبراليين. فالنزعة الجمهورية المحافظة لا تزال طاغية في أمريكا. لكن هذا يعكس العقود الثلاثة الماضية من سيطرة المحافظين، وليس مؤشرا إلى المستقبل. فقد كتب أليكسيس دو توكفيل: "بين الشعوب الديموقراطية، كل جيل هو شعب جديد".
كان نجم المحافظين صاعدا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي لأنهم قدموا حلولا فعالة للمشاكل المتأتية من سبعينات القرن الماضي» التضخم المصحوب بركود والاضطرابات الاجتماعية في الداخل، والتوسع السوفييتي في الخارج. دعوتهم إلى تقليص حجم الحكومة ونفوذها، ونشر القيم التقليدية وإبداؤهم ردة فعل قاسية تجاه موسكو كانت استراتيجية ناجحة. لكن منذ ذلك الحين، اقترح المحافظون الحلول نفسها لكل الأزمات المتعاقبة. لنأخذ على سبيل المثال جواب جون ماكين عندما سئل كيف سيواجه انهيار وول ستريت. فقد تعهد ماكين بوضع حد للإنفاق على مشاريع لا يستفيد منها سوى قلة من الناس، وهذا أمر لا علاقة له بإعادة الثقة والسيولة إلى الأسواق.
على مر العقدين الماضيين، حققت الولايات المتحدة ازدهارا مدهشا، استفادت منه شريحة واسعة من المجتمع. نحن نملك أكبر المنازل وأكثر الأجهزة التلفزيونية المسطحة في العالم. لكننا لم نتمكن من إيجاد حلول لسلسلة من المشاكل الأخرى المهمة، مثل رعاية صحية معقولة الكلفة، ونظام تعليمي جيد للفقراء، وحسن استعمال الطاقة وغيرها. في كل هذه المسائل، لا يمكن أن تأتي كل الحلول من القطاع الخاص وحده، بل يجب أن تتضمن قدرا كبيرا من الجهود الحكومية.
مع انتشار الأسواق الحرة والمجتمعات المنفتحة والسكان المتنوعين، أدى دخول النساء إلى مضمار العمل، والطلاق، والهجرة، والأقليات إلى تغيير النظام التقليدي الذي كانت حركة المحافظين تدافع عنه بطرق كثيرة. بدأ الناس يعملون ويعيشون ويتزوجون ويؤسسون عائلات بطرق متنوعة، وبدت البنية القديمة للمجتمع بالية. فإصلاحات مارغريت تاتشر للسوق الحرة قلبت ببطء المجتمع البريطاني الراسخ القائم على الطبقية، الذي كان ركيزة للنفوذ للسياسي بالنسبة إلى الحزب المحافظ. لقد بدأت آلية مماثلة تترسخ، تبعد الشباب الأمريكي عن الحزب الجمهوري وتقربه من الحزب الديموقراطي بشكل بطيء لكن ثابت.
مع ذلك، فإن هذا لا يعني العودة إلى الليبرالية على الطراز القديم. فقد تخطى العالم مرحلة ستينات القرن الماضي. قلة من الناس تعتقد أن على الحكومة أن تكون الطرف الأهم في توجيه الاقتصاد، وأنه يجدر بالسلطات الرسمية أن تخصص الموارد، وأن السياسة الحمائية ستنقذ الوظائف على المدى البعيد. إن نظرنا إلى القوى اليسارية في الحكم، من بريطانيا إلى أستراليا، سنجد سياسات مؤيدة للأسواق وللتجارة تهدف إلى تعزيز النمو. الفرق هو أنها تشجع أيضا بذل الحكومة جهودا في مجالات معينة حينما لا تكون قدرات القطاع الخاص كافية.
الأزمة الحالية تتيح أمام أوباما فرصة لتقليص الهوة التقليدية في السياسة الأمريكية. بدلا من الانقسام التقليدي بين اليسار واليمين بشأن حجم الحكومة ودورها، يجدر به أن يركز على المشكلة الأكبر التي يواجهها معظم الأمريكيين في نظرتهم إلى واشنطن: إنهم يعتبرون حكومتهم استغلالية وفاسدة. ينظرون إلى القوانين الضريبية ولا يقلقون بشأن "نشر الثراء" بقدر ما يقلقون من أنها ترسخ الفساد المؤسساتي من خلال الثغرات القانونية والصفقات الخاصة. الإصلاح الحقيقي يعني الحد من السياسات الاستغلالية والفساد، من اليسار واليمين على حد سواء.
في أوائل ثلاثينات القرن الماضي، أوحت الوقائع الاقتصادية والسياسية أيضا بأن الولايات المتحدة على وشك دخول حقبة جديدة. لكن هذه الحقبة أصبحت واقعا ملموسا ــ واتخذت الشكل الذي اتخذته ــ فقط بفضل مهارات فرانكلين ديلانو روزفلت وطموحه. إذا ما أراد أوباما حقا أن يحدد شكل المستقبل، فعليه أن يبرهن أنه يتمتع بقدرات قيادية مماثلة. لقد كتب مفكره المفضل، رالف والدو إمرسون، عام 1841 أن "المحـافظـين ودعاة التغيير.. لطالما تنازعوا للسيطرة على العالم منذ تكوينه … التغيير هو القوة الأبرز، والنزعة المحافظة هي التشبث بالحاضر". لتشكيل أكثرية حاكمة جديدة، على أوباما الآن أن يجسد فكرة التغيير.
تاريخ النشر: الثلاثاء 18/11/2008
"نيوزويك"




















