( محاضر في جامعة تل أبيب)
كل الثناء الذي كُتب وقيل رداً على انتخاب باراك اوباما لرئاسة الولايات المتحدة، مبرر. فلا شك ان الأمر يتعلق بلحظة تاريخية. لكنني اود التطرق الى هذه اللحظة من وجهة نظر يهودية، ليس تلك التي اُبرزت حتى الآن في وسائل الاعلام.
حتى الآن سيطر على النقاش في هذه المسألة في كل ما يتعلق بالسياق اليهودي السؤال المتعلق بما إذا كان اوباما جيد لاسرائيل او سيء لإسرائيل. هذا بالطبع سؤال مشروع لكنه في رأي يعبر عن وجهة ضيقة جداً عندما يدور والحديث عن تاريخ طويل كتاريخ الشعب اليهودي.
هذه الحقيقة أن رجلاً اسود انتخب لرئاسة الولايات المتحدة يجب قبل كل شيء ان تثير مشاعرنا نحن اليهود، لاننا تعلمنا على جلودنا مدى قيمة المساواة بين جميع البشر. في القرن التاسع عشر فقط بدأ اليهود يتمتعون بالتساوي في الحقوق في دول كثيرة وبعد ذلك بسنين طويلة فقط تم قبولهم كمساوين. حتى في الولايات المتحدة الى ما قبل بضعة عقود كانت توجد اماكن نواد ومكاتب محامين وغيرها رفضت ان تقبل اليهود فيها.
ولدت وترعرعت في بازل، المدينة التي عقد فيها المؤتمر الصهيوني الاول. في 1860 كان ما يزال معلقا في ابواب المدينة لافتة كتب فيها ان اليهود والخنازير يجب ان يخرجوا من المدينة قبل حلول الظلام. جرب اليهود سلب الحقوق والاهانات والفظائع لانه لم يُعترف بهم كبشر متساوي الحقوق.
نحن نطلب من العالم الا ينسى الملايين الستة من اليهود الذين قتلوا في المحرقة. ونحسن الفعل نحن ايضا اذا لم ننس حقيقة ان نحو ستة ملايين افريقي قُتلوا في غضون السنين الكثيرة التي شهدت اسوأ محطات الخزي والعار في تاريخ الانسانية، الا وهي الاتجار بالعبيد.
إن الفكرة التي أنشأها التنوير والتي تقول ان كل الناس متساوون، بعيدة من ان تكون مطبقة في انحاء العالم. يجب علينا كيهود ان نكون ملتزمين بهذه الفكرة التي بدأت بفضلها رحلتنا نحو حياة المساواة والكرامة.
هذا هو السبب الذي لا يوجب علينا فقط ان نسأل هل اوباما جيد لاسرائيل، بالرغم من أنني اعتقد انه سيكون جيداً بالنسبة اليها في الامد البعيد. سيكون اصعب على المسلمين ان يرفضوا أفكار شخص اسمه باراك حسين اوباما وله جذور اسلامية- بادعاء انه معاد للاسلام.
لكن السؤال الاول الذي يجب ان نسأله لأنفسنا هو كيف يمكن لهذا الانتخاب التاريخي ان يكون مجديا للانسانية عامة. ان انتخاب اوباما انجاز تاريخي ليس لانه اول رئيس اسود للولايات المتحدة فقط. ان اوباما وهو نصف كيني، وربع مسلم، ونصف ابيض، ومسيحي، قضى جزءاً من طفولته في اندونيسا هو شخص اميركي وكوني في الآن نفسه، والكونية صفة اخافت دوما المتعصبين والشوفينيين والجهلاء ، كما نعلم جيداً من تاريخنا.
معادو السامية خافوا من اليهود دائماً لان اليهود كان ينظر اليهم على انهم كونيون ولانه لم يكن من الممكن وضعهم في خانة واحدة بسيطة. ان هوية اوباما هي هوية عالمية حقا، فهو تجسيد لفكرة مواطن العالم، وان حقيقة ان الولايات المتحدة قد استطاعت انتخاب شخص مع هوية معقدة جداً تحمل في طياتها املاً كبيراً.
ولان فوز اوباما هو فوز للعالمية على الشوفينية، ولاننا كيهود مدينون دينا كبيرا للفكرة العالمية، يجب علينا ان نفرح. ان القدرة على الارتفاع فوق الواقع المباشر الى مواقع المثل والمبادىء هي جزء من التراث اليهودي ولا سيما في فترة الشتات التي هي اطول فترة في التاريخ اليهودي. باسم هذه المواقع يجب علينا ان نقف لحظة قبل ان نعود للانشغال بالواقع اليومي لننظر الى عظمة هذه اللحظة.
وعلينا ان نسأل انفسنا ايضا لماذا لا يوجد في الانتخابات القادمة عندنا أي مرشح يثير الآمال التي نجح اوباما في اثارتها. قد يكون لان احدا من زعمائنا المحتملين لا يتحدث باسم الافكار الانسانية الكونية وحقوق الانسان التي منحت الإلهام لهذا العدد الكبير جدا من اليهود في القرنين الماضيين.
(«هآرتس» 12/11/2008)




















