لم يكن من المتوقع أن يأتي نتانياهو بغير الذي طرحه. خطوط سياسته، كانت معروفة. خلفيته وتصريحاته وقناعاته، الصهيونية التوراتية المعروفة؛ كلها تفصح سلفاً بأن تلميذ بيغن وشامير لا يدين ولا يعمل إلاّ بعقلية التوسع وتأبيد الاحتلال.
كل ما يحمله في جعبته، مسخّر لخدمة هذا الغرض. سلامه، استسلام الآخر. مشروعه، يقوم على الشطب والإلغاء. في أحسن الأحوال، على التهميش والتجويف. خطابه، ليلة الأحد، كشف عن ذلك من دون مواربة. ما جرى الترويج له بأنه سيكون عرضاً مهماً لسياسته الخارجية؛ أتى نسخة طبق الأصل عن مقاربته للحلّ السلمي المشوّه. مقاربة، تنسف كل الاحتمالات وتقطع الطريق على أي إمكانية للتوصل إلى «حلّ الدولتين».
فهو كما عرف عنه، لا يرى كمدخل؛ سوى «تحسين الوضع الاقتصادي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة. منه يتم الانتقال إلى حالة، تضمن «العيش بسلام لشعبين، جنباً إلى جنب»؛ يكون فيها للفلسطيني «كيانه». وقد كرّر هذا التعبير الأخير أكثر من مرة، قبل أن يحمله لسانه على التفوّه بكلمة «دولة» فلسطينية؛ سارع إلى تقديمها بصورة هيكل عظمي، لا أكثر. دولة «مجردة من السلاح»، ومن «دون سيادة جوية ولا عاصمة في القدس ولا عودة للاجئين».
تكرّم وأقرّ لها «بعلم ونشيد وطني». وقبل كل ذلك، يبقى الوصول إلى هذه الدولة المجوّفة، مشروطاً باعتراف الجانب الفلسطيني ب«يهودية إسرائيل». وفوق كل ذلك يرفض نتانياهو وقف ما يسميه «النمو الطبيعي» للمستوطنات.
الإيجابي ـ إذا جاز التعبير ـ أن نتانياهو بعرضه هذا، قطع الشك باليقين. كل ما تردّد عن «براغماتيته» و«نضوجه»، وعن «استعداده» للقبول بدولة فلسطينية؛ ناهيك عن تهيّبه المتوقع للضغط الأميركي؛ كله سقط.
الرجل هو الآن كما كان. لا تغيير ولا يحزنون. بكثير من التحدّي قذف الكرة في ملعب الرئيس أوباما، كما في الملاعب الفلسطينية والعربية والدولية. الرئيس الأميركي، خسر الجولة الأولى، ضد نتانياهو. يوم التقاه في واشنطن، اختار إقناعه بدل إبلاغه، بلغة حازمة لا تقبل الجدل، بما تريده واشنطن منه.
عندئذ ترك للمراوغ الصهيوني التقاط زمام المبادرة والعمل على إملاء أجندته. نتانياهو وضع وليّ نعمته تحت الاختبار، عوض أن يكون الأمر معكوساً. ورد واشنطن الأولي عليه، لا يشجع. يبقى الآخرون.
بالتحديد الجانبين العربي والفلسطيني. نتانياهو نسف قواعد اللعبة. إعادة النظر بالأوراق، أمر لا فكاك منه. ليستقيم ذلك، لا بدّ من تأمين شروطه الأولية، ومن دون خسارة وقت. على رأسها ترتيب البيتين العربي والفلسطيني، لتحصين الساحة وتعزيز الأوراق المتاحة. البديل، ترك العدوانية الإسرائيلية تأخذ مجراها مع كل تداعياتها الخطيرة على المنطقة.




















