كثر الحديث، في الكتب ومختلف أجهزة الإعلام، من صحافة وإذاعة وتلفاز، خلال السنوات الأخيرة، وبشكل لم يسبق له مثيل، عن الأحادية والتعددية، حتى غدا هذا الحديث من موضوعات الساعة الحساسة. وأحد أسباب ذلك، اقتران الاحادية بعدة ظواهر ممقوتة، مثل الحكم الفردي والصحافة المقيدة والتوجيه الإعلامي الهادف، مقابل ارتباط التعددية بظواهر مشرقة وإيجابية، مثل الديموقراطية وحرية الكلمة. وإذا وضعنا الاحادية بجذورها العميقة تحت مظهر التقصي، لوجدنا أنها تعني في الأصل الأنانية وحب الذات ورفض الرأي الآخر ونكران حقوق الآخرين. أما التعددية، فإنها رديفة الغيرية والاعتراف بمصالح الغير، وتقبل النقد والرأي المضاد.
ومن الوجهة الفلسفية، فإن لكل مسألة من المسائل، أو حدث من الأحداث، جوانب عدة يمكن للإنسان من خلالها أن ينظر إليها ويحكم عليها. وسنقدم الآن بعض الأمثلة الواقعية البسيطة المستقاة من صميم حياتنا العملية، لتوضيح ذلك:
ان التشبث بوجهة نظر واحدة، والتعصب لها، وتأييدها بصورة مطلقة، يشير إلى الاحادية. ففي الاقتصاد على سبيل المثال، وهنا نجد ان الاحادية تعني التوجيه الاقتصادي الذي يتيح للدولة الهيمنة على جميع مرافق الاقتصاد والتجارة والتحكم بالخزينة العامة والدخول الفردية للمواطنين.
أما التعددية، فتسمح بالاقتصاد الحر والمنافسة الإيجابية واشتراك جميع المواطنين في النشاطات الاقتصادية. ولننتقل الآن إلى الميدان السياسي، وهو الأهم. وفي هذا المجال، نستطيع القول ان الحكم الفردي، أو سيطرة الحزب الواحد، هو اتجاه احادي، في حين أن تعدد الأحزاب، أو الحكم الليبرالي الديموقراطي، هو مسلك تعددي. وفي المضمار الانتخابي، فإن وجود مرشح واحد للرئاسة بدون أي منافس، يعني الاحادية السياسية، بينما يدل ترشح عدة مرشحين، على التعددية. وإذا انتقلنا إلى الصحافة السياسية، نجد ان الاحادية منها، هي تلك التي لا تسمح بالنظر إلى الأمور والتطورات والأحداث، إلا من خلال منظار واحد، فهي دائماً تصب في مصب واحد، وتدور حول محور بعينه، وتركز على اتجاه بذاته، وتحاول إقناع القارئ بأفكار محددة معينة دون سواها. إنها تلجم عقله وتسد عليه منافذ التفكير الحر، وتفوّت عليه فرصة تقليب الأمور على مختلف وجوهها. وهي تسعى إلى ترسيخ انطباعات معينة في ذهنه، بصرف النظر عن الحقائق القائمة على الأرض. وباختصار، فإنها تدفعه دفعاً نحو اتجاه واحد، بعيداً عن جميع الاتجاهات الاخرى. وهذا النوع من الصحافة أو الإعلام خطير للغاية، لأنه يؤدي إلى تجميع الفكر العربي، وإبقائه حبيساً ضمن قوقعة واحدة لا يستطيع تخطيها والخروج منها نحو آفاق أرحب وأوسع. أما الصحافة التعددية، فإنها تقترن بالحرية، والسماح بطرح مختلف التوجهات، ومناقشة كافة الآراء، وبالتالي النظر إلى الأحداث وتقويم التطورات بمناظير متعددة. إن التعددية، سواء في الحياة الاجتماعية أو السياسية، أو الإعلامية، أو الاقتصادية، هي ضرورة من ضرورات الحضارة الحديثة، وركيزة اساسية من ركائز المجتمع المدني الذي يسعى العرب إلى إقامته، بل انها من أهم علائم الديموقراطية.
وبتعبير آخر، فإن الاحادية تعد آفة من آفات حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العربية، لأنها تفرض علينا الإيمان بما لا نؤمن به، وتدفعها إلى تأييد توجهات لا نؤيدها، وتقودنا إلى التهليل والتصفيق عنوة لزعماء لا يروقون لنا، ولا نتوسم فيهم الخير والإخلاص. أما التعددية، فإنها رديفة الحرية والانطلاق في الرحاب الواسعة، وهي التي تفتح أبواب الحقيقة على مصراعيها، وتسير بمجتمعاتنا في طريق التقدم والارتقاء.
"المستقبل"




















