لم يكن رئيس وزراء اسرائيل، نتانياهو، نجما مميزا ولا قائدا شجاعا، كما اراد، او كما توقع كثيرون في العالم ولا سيما في الولايات المتحدة، والعكس صحيح تماما. فقد كان استفزازيا، واستعدى اشد المعتدلين الفلسطينيين، في خطابه المليء بالمغالطات.
لقد طالب بمفاوضات دون شروط ولكنه وضع سلفا كل الشروط التعجيزية. اشترط الاعتراف بيهودية الدولة وبالقدس موحدة وعاصمة لاسرائيل ورفض تجميد الاستيطان، وطالب بتعديل حدود 1967 وطي قضية اللاجئين بعيدا عن حق العودة، واقامة دويلة فلسطينية منزوعة السلاح لا تملك اية حقوق او سيطرة على مجالها الجوي او حدودها، وغير ذلك ثم قال انه يريد البدء بمفاوضات دون شروط.
لم يتحدث عن مبادرة السلام العربية وانما دعا القادة العرب للبدء بمفاوضات في عواصمهم او في القدس – اي عاصمة اسرائيل، وقد دوى التصفيق عند هذه النقطة من اغلبية الحضور اليمينيين، ولا تحدث عن خريطة الطريق وشروطها على الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وخلص الى القول ان الانسحابات الاسرائيلية ادت الى مشاكل لا يمكن تحملها، واشار بصورة خاصة الى حالة الانسحاب من غزة وسيطرة حماس عليها، وتناسى ان اسرائيل فاوضت اكثر من 15 عاما دون التوصل الى اية نتائج وانها حاصرت الرئىس عرفات في المقاطعة حتى انتهى النهاية المعروفة، وذلك كله قبل سيطرة حماس على غزة وانسحاب اسرائيل من هناك.
لقد كان الموقف الرسمي الفلسطيني واضحا وهو الرفض لهذه الشروط وتأكيد عدم توفر الظروف المناسبة لاستئناف المفاوضات. وكان الرفض العربي الرسمي مماثلا وشاملا. اما المواقف الشعبية الفلسطينية والعربية فقد كانت اكثر رفضا واقتناعا ان اسرائيل لا تريد السلام ولا تسعى سوى للتوسع.
اما الادارة الاميركية التي تبنت حملة تجميد الاستيطان والقبول بمبدأ حل الدولتين فقد رأت في الخطاب خطوة الى الامام باعتبار ان نتانياهو الذي كان رفض مبدأ حل الدولتين قد وافق اخيرا على قيام دولة او دويلة فلسطينية الى جانب اسرائيل وفق شروطه الكثيرة، واعتبروا ذلك خطوة الى الامام مع الاعتراف بان طريق الحل ما تزال طويلة واذا كان نتانياهو قد وافق او اضطر للموافقة على «حل الدولتين» فقد وضع شروطا تنسف هذه الموافقة من جذورها وتجعلها مجرد تناور ومخادعة سياسية وانحناء للضغوط بشكل مؤقت.
كما انه رفض تجميد الاستيطان كما تطالب الادارة الاميركية برئاسة اوباما، وان يكن قد وافق على عدم بناء مستوطنات جديدة او مصادرة اراضي لاغراض الاستيطان، مع ملاحظة ان مصادرة الاراضي تكون في حالات كثيرة لاغراض امنية في البداية ثم تتحول للمستوطنات.
وان كان نتانياهو قد اغضب يمين اليمين الاسرائيلي المتطرف، سواء داخل حزبه او ائتلافه، فانه لم يرض احدا في واقع الامر. لا في الادارة الاميركية ولا في اليسار الاسرائيلي ولا في الجانب الفلسطيني او العربي عموما، بل ربما كان قد زاد الامور تعقيدا واوضح جوانب كانت مستترة من النوايا الاسرائيلية. وهكذا تعود الامور الى نقطة البداية تقريبا، اي الى ملعب الادارة الاميركية المتحمسة للحل والتي طالبت في اكثر من مرة بتجميد الاستيطان بكل اشكاله.
ان الترحيب الاميركي المتحفظ بقبول نتانياهو بفكرة حل الدولتين، يجب ان يتحول الآن الى ممارسة فعلية ضد هذه السياسة المتشنجة التي تبناها نتانياهو، لان الطريق ما يزال مغلقا والابواب مقفلة في وجه اي تحرك جدي لاستئناف المفاوضات او الامل بالتوصل الى حلول سلمية على ضوء المعطيات والشروط التي رسمها نتانياهو في خطابه الذي كان اسوأ كثيرا من اية توقعات سيئة.
كما ان الترحيب الاوروبي المتحفظ ايضا واعتبار الاعتراف بدولة فلسطينية خطوة الى الامام، لا يختلف عن الموقف الاميركي، لان الاتحاد الاوروبي طالب بخطوات اسرائيلية اخرى، لتحقيق السلام، وربط ذلك برفع العلاقات بينه وبين اسرائيل.
القدس




















