"الحياة"
خلال السبعينات عندما ارتفعت المطالبة بالنظام العالمي الجديد، بدت هذه الدعوة مفعمة بالايديولوجيا وكأنها محاولة لمشاركة الدول الصناعية ثرواتها من دون مسوغ مقبول، وبمثابة ضريبة النجاح والتقدم يطالب الضعفاء والفقراء بفرضها على الدول القوية والثرية. اليوم تبدو المطالبة بالنظام العالمي الجديد نكهة جديدة غريبة عن مذاقها القديم. فالدول التي تطالب بالنظام العالمي الجديد لا تنتمي الى فئة الدول الفقيرة او الصغيرة او حتى المتوسطة، وانما الى دول كبرى بدأت تطرق بقوة عالم الاقوياء والاثرياء.
ترددت هذه الدعوة مرارا وتكرارا في مداولات وخطب ومقررات قمة «بريك» (BRIC) الرباعية الدولية التي ضمّت زعماء الصين وروسيا والهند والبرازيل والتي انعقدت خلال الاسبوع الماضي في قرية ايكاترينبورغ الروسية. كذلك ترددت بعد ايام قليلة في قمة «منظمة شنغهاي» التي ضمت زعماء الصين وروسيا اضافة الى عدد من دول وسط آسيا والهند حضرتها بصفة مراقب.
استأثرت القمتان باهتمام واسع جديد من نوعه على الصعيد العالمي. ذلك ان دول «بريك» باتت تملك، مجتمعة، حوالي الاربعين بالمئة من الاحتياط النقدي العالمي، ومجمل اقتصاداتها يمثل 15 بالمئة من الاقتصاد العالمي كما جاء في تقرير لصحيفة «هيرالد تريبيون» الدولية (16/6/2009). وبينما ترزح العديد من دول الغرب ومجتمعاته تحت وطأة الازمة الاقتصادية العالمية، فان دول «بريك» تبدو وكأنها تبحر في خضم هذه الازمة من دون ان تتأثر بها كثيرا. فلقد ارتفع معدل النمو بحوالي 6 في المئة في الهند والصين خلال المدة الممتدة بين عامي 2008 و2009. وما يقال عن العملاقين الآسيويين يقال ايضا عن البرازيل التي تتحسن اوضاعها الاقتصادية باستمرار والتي تحولت الى قاطرة التنمية السريعة في اميركا اللاتينية.
الاهتمام الذي لقيته القمتان لا يعود الى النمو السريع والمستقر الذي تسجله الدول الاربع فحسب، وانما ايضا الى الظلال البعيدة المدى لهذا النمو. ويتوقف بعض المحللين هنا امام أثرين مهمّين لظاهرة الصعود المتواتر لدول «بريك» في عالم الفاعلية الاقتصادية والسياسية.
الاثر الاول لحظه الباحثان ايهان كوز وكريتسوفر اوتروك في دراسة وضعاها حول الخصوصية التي تطبع صعود دول «بريك». تنطلق الدراسة من تحليل ظاهرة التبعية التي حكمت العلاقة بين دول الشمال من جهة، ودول الجنوب من جهة اخرى، اي تلك العلاقة التي قامت على الاعتماد المفرط لدول الجنوب على صادراتها الى دول الشمال. دول الجنوب النامية، او في الحقيقة المتخلفة، اعتمدت على صادراتها من المواد الخام الى دول الشمال، اما الدول الصناعية الجديدة في الجنوب اي ما يسمى «النمور»، فانها لم تنج هي الاخرى من التبعية لانها اعتمدت اعتمادا مفرطا على صادراتها الى دول الشمال وخاصة الى الولايات المتحدة الاميركية. هكذا ادى انتقال النمور من مجتمعات زراعية الى مجتمعات صناعية الى تجديد علاقة التبعية بينها وبين الدول الشمال وليس الى تبديدها.
برزت هذه الظاهرة على اشدها خلال الازمة المالية التي عصفت بدول آسيا خلال عامي 1997 و1998. فردا على تلك الازمة دعت اليابان الى قيام صندوق نقد آسيوي. الا ان الولايات المتحدة عارضت بقوة هذا الاقتراح لانها شعرت انه يهدد مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في آسيا، كما جاء في دراسة لـ ر. هيجوت حول الازمة الآسيوية. لقد اضطرت اليابان وقتها الى التراجع عن اقتراحها الصائب هذا تحت وطأة الضغط الذي مارسته عليها الادارة الاميركية، ولان اليابان تعتمد اعتمادا كبيرا ومفرطا على صادراتها الى الولايات المتحدة.
ما يميز دول «بريك» الاربع انها لم تعد مضطرة الى الاعتماد على صادراتها، سواء من المواد الخام او من المصنّعة الى دول الشمال وخاصة الى الولايات المتحدة. تمكنت هذه الدول الاربع، كما يقول كوز واوتروك، من فك الارتباط او التبعية الاقتصادية مع دول الغرب. فكيف تمكنت هذه الدول من تحقيق مثل هذا الانجاز؟ العامل الحاسم والاستراتيجي على هذا الصعيد هو، كما يراه باحثون كثيرون، الحجم العملاق لهذه الدول الاربع سواء من حيث عدد السكان او من حيث المساحة وتنوع الثروات الطبيعية فيها، ومن ثم حجم الاسواق الداخلية لهذه الدول. ويجدر بالذكر هنا ان حكومات هذه الدول التي تنتمي إما الى الوسط او الى يسار الوسط توسع السوق الداخلية فيما هي تسعى الى التخفيف من التمايزات والاختلافات الطبقية بين سكان البلاد وبين مناطقها وفئاتها المختلفة. على هذا الصعيد تبدو الهند هي الأقرب الى الاعتماد على السوق الداخلية التي تستوعب القسم الاكبر من منتوجاتها.
فيما يراهن البعض في الدول الصناعية القديمة على تلاشي ظاهرة النمو السريع والمضطرد لنمو الدول العملاقة مثل دول «بريك»، فإن المؤشرات تدل على ان هذه الظاهرة اقتحمت النظام الدولي لكي تستقر فيه بل لكي تغيره. في هذه الحالة، ماذا عن الدول غير العملاقة؟ ماذا يحل بالدول الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها عن بعض ملايين والتي تشكو من ضيق السوق كما هو الامر في العديد من الدول العربية؟ هل من امل لهذه الدول في الإفلات من الحلقة المفرغة المتمثلة بالفقر فالتبعية والاستغلال فالمزيد من الفقر والبؤس؟
تجيب دراسات عديدة في هذا المضمار عن ان الطريق الافضل الذي تسلكه هذه الدول من اجل تحقيق التنمية السريعة والمستدامة، هو في بناء التكتلات الاقليمية على غرار الاتحاد الاوروبي و «آسيان» و «ميركوسور». وهذه الدعوة لا تستقي مسوغاتها من قيم ونظريات مجردة، ولكنها تنطلق من معطيات ومتغيرات واقعية اخذت تفرض نفسها بقوة على عالم السياسة والعلاقات الدولية. ففي دراسة اعدها بول غروينوالد وماساهيرو هوري بعنوان «التجارة داخل التكتلات الاقليمية مدخلاً للازدهار الآسيوي» يؤكد الكاتبان اللذان يعملان في صندوق النقد الدولي بالارقام على صواب عنوان بحثهما. فبينما تضاعفت التجارة العالمية بين عامي 1990 و2005 ثلاث مرات، تضاعفت التجارة الاقليمية في جنوب شرق آسيا بمعدل 8,5 في المئة. ويقدم الباحثان في بحثهما ارقاما واحصائيات اخرى تؤكد ان اساس ‘المعجزة الآسيوية» هو نمو التعاون الاقليمي وليس الصادرات الآسيوية الى دول الشمال.
تحتل هذه الارقام والمعطيات حيزا واسعا من اهتمام الحكومات في دول العالم الصغيرة والمتوسطة الحجم المعنية بالتقدم وبرفاه الشعوب وبتوفير الحماية لأمنها الوطني ومصالحها الاستراتيجية. وفي اكثر الحالات تخرج الحكومات اياها من هذا الاهتمام بالدروس الصحيحة فتتجه الى الانخراط في تكتلات اقليمية تتساوى فيها الدول الاعضاء من حيث أحجامها وقدراتها، ويتوفر فيها قدر معقول من التماثل في ثقافات شعوبها وتطلعاتها، والتفاهم بين نخبها الحاكمة. اما في المنطقة العربية فإن اكثر حكوماتها تظهر هي الاخرى اهتماما بنمو ظاهرة التكتلات الاقليمية في العالم، ولكن الهدف من هذا الاهتمام يبدو معكوسا هنا. فليس المقصود بهذا الاهتمام تنمية التكتل الاقليمي العربي الذي يعتبر واحدا من اقدم التكتلات الاقليمية في العالم، وانما ما نشهده وما نلمسه هو الاهتمام المعكوس، اي الإصرار على تفطيس هذا التكتل والسهر على تقريب اجله وترحيله الى العالم الآخر ومعه آمال كثيرة في توفير الرفاه والحرية والأمن والاستقرار للشعوب العربية.
* كاتب لبناني




















