رفع المرشد علي خامنئي من سقف تشدده معلناً "أن النظام لن يتراجع في وجه الاحتجاجات، وان الشعب لن يتراجع بالقوة".
وهذا يعني انه يضع كل الشعب في خانة النظام، بينما يضع كل المحتجين في خانة "مؤامرة خارجية" ضد النظام دُبّرت في ليل الاستكبار والمستكبرين وخرجت من جحيم الشياطين !
مع صعود حركة الاحتجاج من الشوارع الى السطوح لتكرر الهتافات التي سبقت عودة الخميني الى طهران عام 1979، تكون "الانتفاضة الخضراء" التي اطلقها مير حسين موسوي قد تراجعت الى الوراء. يؤكد هذا الامر قرار المرشح الآخر محسن رضائي سحب الشكوى التي تقدم بها ضد نتائج الانتخابات، مبررا خطوته بالمهلة غير الكافية التي حددتها السلطات لتلقي الطعون. واهم من هذا بالتأكيد قوله: "إن الوضع السياسي والامني والاجتماعي في البلاد دخل مرحلة حساسة وحاسمة اكثر اهمية من الانتخابات"!
إن كلاما من هذا النوع يزيد الصورة غموضا. فليس من الواضح ان حركة الاحتجاج قد بدأت بالانحسار والضمور. ولكن من المؤكد ان ما يمكن ان تفعله السطوح ليس في مستوى ما تفعله الشوارع. فهل يكون المشهد الايراني في الطريق لتكرار تجربة "ربيع براغ" عام 1968 او "تجربة مصدق" الايرانية عام 1953؟
❐ ❐ ❐
من المبكر الحديث عما سيحصل في الايام المقبلة، لكن هناك عملية تصاعدية هدفها تشويه صورة حركة الاحتجاج عبر اتهام دول غربية بالوقوف وراء المتحجين. طهران تتهم لندن بالتآمر، ووزير الاستخبارات محسن محسني – ايجي يقول إن اشخاصاً يحملون جوازات بريطانية "لعبوا دورا في اعمال الشغب". يأتي هذا بعد تبادل طرد ديبلوماسيين بين البلدين وتهديد طهران بخفض مستوى العلاقات مع لندن.
واذا اضفنا الى هذا الاتهامات الجديدة التي تقول "إن الاستخبارات الاميركية دفعت اموالا لتحريك المشاغبين"، يصبح مفهوما تماما ما هي الاتجاهات التي تسلكها اللعبة الآن، فمن الواضح ان النظام يخوض معركتين متوازيتين:
❐ معركة قمع تصاعدي ضد حركة الاحتجاج وانصار موسوي، وكل شرائح الاصلاحيين من المستوى المتدين الى شباب الجينز في الشوارع.
❐ ومعركة لاغراق المحتجين بتهم التورط في مؤامرة خارجية حيكت في واشنطن ولندن، وقد قيل امس تكرارا إن هناك طابورا خامسا اميركيا يقف وراء حركة الاصلاحيين.
ماذا يعني هذا عملياً ؟
انه يعني ان على العقول ان تفكر جيدا في الغرب، وان على الالسن ان تدرس الكلمات قبل ان تتحدث عما يجري في ايران. في هذا الاطار ينصح الخبير الفرنسي المتمرس دومينيك مويسي قائلا: "اذا بالغتم في المجاهرة بدعم موسوي تدمرونه، وان دعم الحرية وحقوق الانسان لا يعني دعم شخص بالذات".
ربما من خلال هذا يمكن فهم المقاربة المتأنية التي يتعمد باراك أوباما اعتمادها في الحديث عن ايران. فبعد اكثر من اسبوع على اندلاع حركة الاحتجاج الواسعة والمفاجئة في وجه نظام اختار محمود احمدي نجاد رئيسا يشهر قبضته في وجه العالم، قرر الرئيس الاميركي توجيه ادانة مدروسة وملطفة الى النظام الايراني، حيث قال:
"إن الولايات المتحدة ومعها المجتمع الدولي شعرا بالهلع والغضب بسبب التهديدات واعمال الضرب والسجن التي شهدتها ايران خلال الايام الماضية (…) وان الولايات المتحدة تحترم سيادة الجمهورية الاسلامية في ايران ولم يحصل اي تدخل في شؤونها الداخلية".
عملياً يبدو ان هذا الكلام باهتا قياسا ببعض الانتقادات التي وجهت داخل اميركا الى اوباما، لانه لم يتخذ موقفا حازما من احداث ايران. ولكن المسألة تحتاج الى التروي والهدوء لا الى الرؤوس الحامية مثل رأس جون ماكين الجمهوري الذي نافس اوباما على الرئاسة ولا يتردد في القول: "إن الشعب الايراني سينتصر في النهاية اذا اتخذنا موقفا صلبا"!
ولكن رجلا رصيناً مثل جون كيري يرى في كلام ماكين شيئا من الحماقة، وهو محق تماما لأن الايرانيين يتحركون من اجل ايران لا من اجل اميركا او بريطانيا او اي بلد آخر، واذا كان هناك من يريد مساعدتهم فعليه ان يكون متزناً او ان يصمت ويتأمل.
❐ ❐ ❐
يستطيع المراقب ان يقول بكثير من الصدق والواقعية إن التهليل الخارجي بعد وصول محمد خاتمي الى الرئاسة قبل اعوام رافعا شعار "حوار الحضارات"، هو الذي ألب عليه المتشددين في الداخل، فقاموا بافشال كل خططه الاصلاحية وطموحاته الانفتاحية.
ويستطيع المراقب ايضا ان يذهب ابعد، الى عام 1953 تحديدا، عندما حصل انقلاب اطاح رئيس الوزراء آنذاك محمد مصدق واعاد الشاه محمد رضا بهلوي الى السلطة برعاية اميركية مفضوحة غبية ووقحة. إن موسوي ليس نسخة عن مصدق، ولكن في وسع الحماقة الغربية ان تعطي خامنئي فرصة لتصويره بأنه "بهلوي جديد" او حصان طروادة غربي داخل النظام، وان المرشد هو الذي يحمي الجمهورية من المؤامرة وبكل ما يتطلبه الامر من الحزم والشدة.
راجح الخوري




















