عبدالله اسكندر
يسعى وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك في واشنطن، هذه الايام، الى تسويق مخرج لطلب الولايات المتحدة الوقف الكامل للاستيطان اليهودي في الضفة الغربية. وهو حاول، عشية محادثاته في العاصمة الاميركية، ان يجد مسوغا «قانونيا» في المحكمة العليا الاسرائيلية، لنظريته نقل المستوطنين في المستوطنات التي تسمى عشوائية الى مستوطنات «شرعية»، وتاليا توسيع هذه الاخيرة لاستيعاب القادمين الجدد. وبالتالي يدعم موقفه السياسي بضرورة الاستمرار في توسيع الاستيطان بموقف «قانوني» اسرائيلي، يستخدمه في المحادثات مع المسؤولين الاميركيين.
اي ان باراك يسعى الى وضع الاميركيين امام الواقع «القانوني» الاسرائيلي للاستمرار في الاستيطان، ووضع تعارض بين هذا الواقع وبين الطلب الاميركي لوقفه، والى نقل المسألة من ضرورة تنفيذ التزامات «خريطة الطريق»، وتهيئة المناخ على الارض لحل الدولتين، الى جدل يطاول «السيادة القانونية» الاسرائيلية والتدخل الخارجي فيها.
في الوقت نفسه، ملاحظات أدلى بها الرئيس نيكولا ساركوزي، خلال استقباله قبل ايام رئيس الحكومة الاسرائيلي بنيامين نتانياهو، عن وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، تندد بتطرفه وعدم القدرة على التعاون معه، تحوّلت من كونها موقفا سياسيا يشدد على ضرورة وقف الاستيطان والتوجه نحو حل الدولتين، الى عاصفة في اسرائيل تندد بالتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية الاسرائيلية.
لم تكن ملاحظات ساركوزي تتميز باللياقة الديبلوماسية. لقد قالها، بفجاجة، ربما ليلفت نتانياهو الى ضرورة ان تقدم اسرائيل على خطوات ملموسة في مجال التقدم نحو السلام، وهي خطوات غير ممكنة مع وجود ليبرمان في الخارجية. وهذا ما عبّر عنه ساركوزي لدى زيارة الوزير لباريس ورفضه استقباله. ولذا نصحه باستقطاب تسيبي ليفني الى الخارجية.
لكن جوهر هذه المسألة في اسرائيل، ولدى نتانياهو الذي دافع عن وزيره، ليس التعامل مع الموقف الدولي على انه مطالبة بضرورة التزام مستلزمات السلام، وانما التعامل معه على انه تدخل خارجي في الشأن الداخلي الاسرائيلي. وتاليا مواجهته بالرفض والتنديد، والنكوص الى الفكرة الصهيونية البدائية عن ان العالم يقف في مواجهة اليهود، وان على هؤلاء الاعتماد فقط على انفسهم وان يقرروا بأنفسهم ما يحقق مشروعهم، بغض النظر عن اي عملية سياسية تطالبهم بضرورة التزام موجبات السلام، او يُؤمل منها ان تؤدي الى سلام.
وفي الوقت الذي تتمسك ادارة الرئيس باراك اوباما، ومعها الاتحاد الاوروبي واطراف اللجنة الرباعية، بأن الخطوة الاولى ينبغي ان تأتي من اسرائيل بوقف الاستيطان، بدأت الصحافة الاسرائيلية تزخر بمقالات كتاب الائتلاف الحكومي ولوبي المستوطنين، والتي تندد بهذه المواقف الدولية وتأخذ عليها التساهل مع اعداء اسرائيل، خصوصا سورية وايران وحلفائهما، وان الصمود في هذه المعركة هو من مستلزمات الامن الاسرائيلي.
وهذا يعني عمليا الرفض المسبق لـ «خريطة الطريق» ومستلزماتها والرفض المسبق لرؤية الدولتين، وما عدا ذلك محاولات تجميلية لهذا الرفض. واي من مفهوم «الدولتين» الذي طرحه نتانياهو ووقف الاستيطان الذي يسوّق له باراك، لا ينطوي على اي تغيير اسرائيلي لمفهوم السلام.
لقد قال ساركوزي صراحة لنتانياهو عن ليبرمان: «انا ببساطة لا يمكنني ان ألتقيه». اي بلغة مباشرة يقاطع الرئيس الفرنسي المعروف بعلاقاته الودية مع اسرائيل وزير خارجيتها بسبب تطرفه وتعنته في قضية السلام وشروطه. ولقد ردت وزيرة الخارجية الاميركية على الوزير نفسه، بعدما التقته في واشنطن، على موقفه من الاستيطان بلغة غير ديبلوماسية اكدت فيها ان الولايات المتحدة لم تلتزم يوما الموافقة على ضرورة توسيع الاستيطان.
هكذا يصطدم الاتجاه الدولي الجديد الذي تدعمه ادارة اوباما بالتركيبة الائتلافية الحكومية الحالية في اسرائيل. واذ استنتج بعض الاطراف الدوليين ان لا أمل من هذه التركيبة في التقدم نحو السلام المطلوب، يصعّد اطراف آخرون ضغوطهم عليها. والسؤال عن قدرة هذه التركيبة على الاستمرار، في ظل هذه المواجهة، وعن احتمال التوجه الى انتخابات مبكرة، وعن قدرتها على ان تنقذ نفسها بالهروب الى امام، عبر الارتداد نحو الصهيوينة البدائية والذهاب الى مغامرة لكن هذه المرة من دون تغطية سياسية خارجية.




















