مرحلة جديدة يعيشها العراق الآن بعد إعادة انتشار القوات الأميركية التي خرجت من المدن وإن كانت لم تخرج من الأرض التي لن تجف من عليها الدماء إلا بزوال الاحتلال حتى آخر جندي أميركي. فغداة انسحاب القوات الأميركية من المدن، شقت فرنسا طريقها إلى العراق بسرعة، ولكن برداء اقتصادي نأمل أن يكون مثمراً وفعالاً لانتشال شعب الرافدين من معاناته الاقتصادية التي جلبها المحتلون.
أمس استقبلت بغداد رئيس وزراء فرنسا فرانسوا فيون على رأس حشد اقتصادي كبير من ثلاثين شخصية فرنسية، تضم ممثلي عدد من الشركات الفرنسية الكبرى، بينهم رئيس شركة صناعات الدفاع والطيران إلى جانب ممثلين من شركات للبناء والتشييد والكهرباء، علاوة على ممثلي واحدة من أكبر شركات النفط والغاز في العالم وهي شركة توتال التي أبرمت عقوداً كبيرة مع العراق قبل الغزو الأميركي إلا أنها لم تنفذ بسبب الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على العراق.
خمس مذكرات تفاهم وقعت أمس مع فرنسا في المجالات العسكرية، والأمن والتدريب والتجارة. وهذا يدل على أنها عودة اقتصادية فرنسية قوية في أعقاب انسحاب القوات الأميركية من مدن العراق. لقد كانت فرنسا قبل الغزو الأميركي أكبر شريك اقتصادي للعراق وبعد الغزو حل الأميركيون محلها.
ولكن العراقيين وهذا ما لمسه الفرنسيون كما قال مصدر حكومي فرنسي، يريدون أن يتحرروا من الوصاية الأميركية ويريدون أن يعملوا مع مستثمرين آخرين غير الأميركيين يعرفونهم جيدا بينهم فرنسا. الحكومة العراقية، أكدت هذا المعنى فقالت على لسان الناطق باسمها علي الدباغ «بلدنا يريد أن تكون فرنسا شريكا استراتيجيا، خصوصا في المجال الاقتصادي». الفرنسيون يريدون جلب استثمارات كبرى إلى العراق والشركات الفرنسية العملاقة تسعى إلى ذلك.
ولا توجد أي شركة واحدة ترفض القدوم، كما تقول المصادر الفرنسية. ولكن الشيء الوحيد الذي تتخوف منه الشركات، هو الوضع الأمني. العراق إن ضمدت جراحه وتوقف نزيف دمه الذي جلبه الاحتلال، قادر على أن ينتشل أبناءه من الفقر الذي اتسعت دائرته بعد أن فقد أمنه واستقراره.
هناك طابور طويل من المستثمرين الأجانب في حالة انتظار لدخول العراق والمشاركة في إنعاشه اقتصاديا. هناك شركات عالمية تتسابق للتقدم بعروض لحقول نفط من أجل إحياء قطاع النفط الواهن وتعزيز الإنتاج البالغ نحو 4 .2 مليون برميل يوميا.
ولكن العامل الأمني يحرم العراق من استعادة قوته وبنيانه الاقتصادي. ولذلك فالقوات العراقية من جيش وشرطة والتي يقال إن قوامها حوالي ثلاثة أرباع المليون، عليها أن تواجه مسؤولياتها وأن تؤكد أنها الأصل في حفظ الأمن والاستقرار وليس الأميركيون الذين لن ينسى أبناء الرافدين أنهم الذين صنعوا الفوضى لأكثر من ست سنوات.




















