لم تعد التحديات التي تواجهها الكثير من دول العالم قاصرة على تلك التحديات التقليدية، سياسية كانت أو عسكرية ولكنها امتدت لما هو أخطر من ذلك حيث أصبحت التغييرات المناخية في السنوات الأخيرة تشكل تحديا كبيرا هو الأخطر بمقاييس كثيرة ليس على دولة أو مجموعة دول بعينها وإنما يشمل دول العالم كافة. ومن هنا تنبع جسامة هذا التحدي بما يمثله من تعميم يلقي بظلاله على مستقبل البشرية بيولوجيا من جهة وما يشكله من خطورة على المستقبل التنموي للدول من جهة أخرى.
فالتأثيرات التي يتوقع الخبراء أن ترشح عن التغييرات المناخية تضع صحة الإنسان وأبرز مفردات البيئة المحيطة به كالمياه والزراعة في مرمى أهدافها مباشرة، فضلا عمّا سيحدثه ذلك من انعكاسات اقتصادية سلبية تضر بعض القطاعات الاقتصادية الواعدة أو التي بدأت تأخذ موقعها الهام على خريطة الدخل القومي للدول مثل القطاع السياحي.
ووفقا لتقارير دولية فإن المنطقة العربية تعتبر من أكثر المناطق التي يتهددها خطر التغيرات المناخية بتأثيراته السلبية وخصوصا في موارده المائية حيث تتوقع هذه التقارير «أن تقل حصة الفرد من الموارد المائية بحلول عام 2020» وهو ما يعني تأثر قطاع الزراعة وزيادة مساحة الجفاف في بعض المناطق وتوسع رقعة التصحر في مناطق أخرى وانعكاس ذلك على قطاع الصحة وحجم الإنفاق المالي لتأمين الموارد البديلة.
من هنا تأت أهمية الاستعداد المبكر لمواجهة هذا التحدي بتوجيه بعض الضربات الاستباقية على محوري التخفيف من حدة الأخطار التي تمثلها التغييرات المناخية أولا والتكيف معها ثانيا.
وقد تنبهت السلطنة بفضل قيادتها الحكيمة إلى هذه الإشكالية منذ أمد بعيد وشرعت في اتخاذ العديد من الإجراءات الاحترازية لمواجهة هذا التحدي الخطير، فانضمت إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في مؤتمر قمة الأرض بريو دي جانيرو عام 1992 وصادقت على الاتفاقية عام 1994 كما صادقت على بروتوكول كيوتو عام 2004 وتوجت تلك الجهود بإنشاء وزارة البيئة والشؤون المناخية عام 2007 لتكون بذلك الدولة العربية الأولى التي تنشئ وزارة للبيئة والشؤون المناخية تتضمن هيكليتها الوزارية مديرية عامة للشؤون المناخية تعنى باستراتيجيات السلطنة في مجال التغيرات المناخية.
ولم تتوقف جهود السلطنة عند هذا الحد فقد وضعت خططا وطنية للحفاظ على البيئة والحياة الفطرية ومخزونها من المياه الجوفية وغيرها من الخطط والخطوات الإجرائية التي كانت مثار إعجاب وإشادة من كافة المنظمات الدولية المعنية بالمحافظة على البيئة.
وكانت استضافة السلطنة ممثلة في وزارة البيئة والشؤون المناخية للاجتماع التشاوري الإقليمي لإنشاء الشبكة العالمية للتكيف مع تغير المناخ على مدى يومين واحدة من تلك الخطوات الاستباقية والرائدة في احتساب المستقبل والاستعداد لما تمثله التغييرات المناخية من تهديدات لواقع ومستقبل التنمية.
إن الجلوس مكتوفي الأيدي بانتظار وقوع الخطر ثم التحرك لمعالجته لم يكن في يوم من الأيام سمة عمانية منذ انطلاق عصر النهضة ليشق آفاق المستقبل الآمن لهذا الشعب، فقد عودتنا قيادتنا الحكيمة بما لها من رؤى ثاقبة وحكمة نافذة وقدرات استشرافية وقراءات واعية لمستقبل الأحداث على استباق الخطر والاستعداد لمواجهته بكل السبل التي تضمن سلامة الوطن والمواطن وتؤمّن واقعه ومستقبله..
وما هذه التوجهات الحالية لبناء القدرات الوطنية وتعزيز التشريعات المعنية بحماية البيئة والشؤون المناخية والتشاور بشأن إنشاء شبكة التكيف مع تغير المناخ ودعم وتكريس جهود البحث العلمي وتفعيل الدراسات المعنية بهذا الخصوص إلى جانب وضع المتغيرات المناخية في الحسابات الوطنية للتنمية المستدامة إلا تأكيد لهذه القراءات الواعية وتجسيدا لتلك الرؤية الثاقبة التي لا تجعل من السلطنة دولة رائدة في مجال المحافظة على البيئة وإنما قائدة لهذا التوجه على مستوى العالم كما صرح بذلك خبراء في المنظمات الدولية المعنية بالبيئة والشؤون المناخية.
عمان




















