خلط السياسة والقوة.. تقييم اللجنة الدستورية السورية

ترجمة: أحمد عيشة

ملخص تنفيذي

تعود مطالب الإصلاح الدستوري إلى الأيام الأولى للصراع السوري. ومع ذلك، فإن الجمود في مفاوضات جنيف التي تقودها الأمم المتحدة لحل الصراع حال دون مناقشة جادة حول الإصلاح الدستوري، حتى كانون الثاني/ يناير 2018. في هذه المرحلة، مارست الحكومة الروسية ضغوطًا على الحكومة السورية للمشاركة في مبادرة “اللجنة الدستورية”، وطلبت المساعدة من الأمم المتحدة. وبعد 21 شهرًا من المفاوضات حول الإجراءات وتكوينها، بدأت اللجنة الدستورية رسميًا العمل في جنيف، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وبعد جولتين من الاجتماعات، انهارت العملية عندما انسحب وفد الحكومة السورية. ومن المقرر عقد جولة ثالثة من الاجتماعات في 24 آب/ أغسطس 2020. في أثناء انتقال اللجنة الدستورية من التصميم إلى الجلسات ثم الانهيار، استعاد التحالف الموالي للأسد معظم الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة في سورية، بالقوّة.

يلقي هذا التقرير نظرة فاحصة على عملية اللجنة الدستورية والتطورات العسكرية، ويكشف الترابط في ما بينهما. ويتوصل إلى استنتاج مفاده أن الحكومة السورية وروسيا أنشأتا وتلاعبتا لاحقًا بالروابط المختلفة بين غرفة الاجتماعات وساحة المعركة، لتحسين مصلحتهما.

استغلّت روسيا حصولها على دعم الأمم المتحدة لمشروع اللجنة الدستورية الخاصة بها -في إضفاء الشرعية على مبادرة آستانة/ سوتشي الخاصة بها في هذه العملية- لتتمكن من الحفاظ على العملية التي تقودها الأمم المتحدة حيّة، في حين يتبع التحالف الموالي للأسد الحلّ العسكري للصراع، من دون خوف من ضغوط سياسية أكبر من المجتمع الدولي، وكانت تلك الحلقة الأولى. وتجدر الإشارة إلى أن عملية آستانة/ سوتشي التي صممتها روسيا بصورة حصرية كانت في الأساس إطارًا لتسهيل الحل العسكري للصراع. حالت هذه الحيلة بشكل أساسي دون تجسيد أي عمل عسكري غربي، من خلال التلويح بالأمل -أو العذر- بتحقيق اختراق دبلوماسي تفاوضي لم يتحقق قط.

والحلقة الثانية هي أن التحالف الموالي للأسد استهدف عمدًا المدنيين والبنى الأساسية المدنية، لمنع توطيد دعائم المجتمع السياسي والمدني في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وقد أدى ذلك إلى إجبار معظم هيئات المعارضة وجماعات المجتمع المدني ذات الميول المعارضة على الانخراط من الخارج، وهو ما قلل من مصداقيتها وشرعيتها. وقد حالت هذه الحيلة/ الخطة دون تشكيل معارضة سورية ذات أسس أفضل للتفاوض في إطار معايير اللجنة الدستورية.

الحلقة الثالثة والأخيرة هي أن التحالف الموالي للأسد استخدم التصعيد العسكري، لاستقطاب وتقسيم اللجنة الدستورية، ولتقليل قدرتها على البقاء. إن الاستمرار الهادف لجرائم الحرب خلال عمل اللجنة يرقى إلى مستوى الاستفزاز الصارخ للمعارضة السورية والمجتمع المدني. ومن المنطقي أن تؤدي هذه الأعمال إلى زيادة التوترات بين الأطراف المتفاوضة، ولذلك فإن هذه الحيلة/ الخطة تقلّل من فرصة المشاركين في التوصل إلى تسويات.

ومع ذلك، لا يزال لدى اللجنة الدستورية بعض الإمكانات المتبقية للحدّ من الاستقطاب وتمكين بناء الجسور، وهي تحافظ على المطالب التي تم إضفاء الطابع الرسمي عليها، في قرار مجلس الأمن رقم ((2254، ويمكن أن تكون بمنزلة ثقل موازن يخفف من إعادة التأهيل التدريجي للحكومة السورية في عهد بشار الأسد. ومع ذلك، يبدو أنه لا يمكن تحقيق عملية مجدية إلا من خلال استراتيجية مواجهة مباشرة بين الحكومة السورية وروسيا. هذا بسبب الروابط المذكورة أعلاه، ولأن هناك حاجة إلى ثقل موازن قوي ضد مقاربة الحكومة السورية للتعامل مع الصراع على أساس الدعم العسكري الروسي. وما دام التحالف الموالي للأسد قادرًا على أن يُحبط الجهود الدبلوماسية من خلال التصعيد العسكري، فستبقى آفاق اللجنة الدستورية قاتمة.

ولذلك، يجب أن تتجاوز التدابير الرامية إلى تنشيط اللجنة المساعدة السياسية والمالية والتقنية المقدمة إلى اللجنة نفسها، وأن تشمل الضغط السياسي على الحكومة السورية وروسيا. ومن هذا المنظور، يوصي التقرير بتدخل إنساني مشترك، بقيادة أوروبية تركية، في شمال غرب سورية. سيساعد ذلك الأمر في حل النزاع بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، حول سياسات اللاجئين وحماية ما يصل إلى ثلاثة ملايين مدني محاصر، ويمكنه أيضًا تغيير توازن القوى، بحيث يمكن تنشيط اللجنة الدستورية. هذا هو الحال، خاصة أن قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية، الذي دخل حيز التنفيذ أخيرًا، أوضح لموسكو أنه لن يكون هناك تطبيع سياسي أو تعافٍ اجتماعي واقتصادي، من دون تنازلات سياسية كبيرة من دمشق. بكلمات أخرى: قد تضغط روسيا على الحكومة السورية للتفكير في التنازلات عبر اللجنة الدستورية، إذا كان ذلك سيمهّد الطريق لحل سياسي للصراع.

Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

ديسمبر 2022
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.