لا تزال الحشود السورية على الحدود اللبنانية ولا سيما الشمالية، حيث جرى حشد نحو عشرة الاف جندي سوري مع آلياتهم ومعداتهم على الجانب السوري من الحدود تثير التساؤلات والشكوك حول أسبابها ودوافعها والأهداف الكامنة وراءها. وقد تعددت المواقف واختلفت الاراء المحلية والاقليمية والدولية حول تفسيرها. فكان منها المواقف المؤيدة والمعارضة ومنها المشككة والخائفة. وحتى الان لم يتم حل الغازها وفك رموزها والتوصل الى جواب واضح وصريح حولها.
باعتقادنا ان هناك ثلاثة احتمالات لهذه الحشود:
1 ـ ان تكون هذه الحشود فعلاً لمنع التهريب وفقاً للرواية السورية المعلنة والتي تهدف الى منع التهريب من سوريا الى لبنان ومن لبنان الى سوريا. تهريب ماذا؟ طبعاً ليس تهريب السجائر والمازوت وكافة المواد والمنتوجات التي يستعملها المواطنون على جانبي الحدود. لكن قد تكون لدى سوريا معلومات عن محاولات تقوم بها منظمات ارهابية لتهريب السلاح والمسلحين من لبنان الى سوريا للقيام بأعمال تخريب وتفجير في اماكن مختلفة من سوريا من اجل خلق جو من البلبلة والاضطراب وزعزعة الاستقرار والأمن هناك مما يشكل ارباكاً للنظام والدولة السورية. ولو ان الجميع مقتنعون بأن عملية منع التهريب هذه لا تحتاج الى هذا العدد والعتاد من القوات السورية. ومما يعزز هذا الاعتقاد عملية السيارة المفخخة على طريق المطار في الأونة الأخيرة واتهام منظمة فتح الاسلام بهذا التفجير (بصرف النظر عن صحة هذا الاتهام). ويعزز هذا الاعتقاد ايضاً دعوة وزير الداخلية اللبناني زياد بارود الى سوريا وتأليف الوفد المرافق من كبار الضباط ومسؤولي الأمن في لبنان واجتماعه مع وزير الداخلية السوري بسام عبد المجيد والاتفاق الذي نجم عن هذا الاجتماع على تاليف لجنة مشتركة من كبار الضباط في البلدين من اجل تبادل المعلومات وتقديم الاقتراحات لمكافحة الارهاب والتعاون من اجل مراقبة الحدود في كلا الجانبين. وقد بدأت ملامح هذا التعاون الأمني بالظهور بالقبض على قياديي ومسؤولي منظمة فتح الاسلام الواحد تلو الآخر. وهذا التعاون من شأنه ان يؤمن الاستقرار والأمن في لبنان وفي سوريا وأن يؤمن مصلحة الشعبين.
2 ـ ان ازدياد نشاط المنظمات الارهابية في شمال لبنان، وفقاً للادعاءات السورية، من شأنه ان يؤدي الى استدراج سوريا الى القيام بعملية امنية في شمال لبنان بعد تصريحات مسؤولين سوريين حول هشاشة الوضع الأمني في لبنان الشمالي ووجود مراكز للارهاب والارهابيين في منطقة عكار، مما يؤدي الى دخول الجيش السوري الى منطقة عكار بعملية محدودة الجغرافيا والأهداف بهدف القضاء على المنظمات الارهابية الموجودة هناك واستئصال خطر هذه المنظمات، وسواء تمت هذه العملية بضوء اخضر اميركي او بدونه، فانها ستؤدي الى تدخل الأمم المتحدة لوقف التدهور الأمني والى صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي شبيه بالقرار رقم 1701 الذي صدر عقب حرب تموز 2006 يؤدي الى سحب الجيش السوري من شمال لبنان ودخول قوات دولية الى هناك على غرار الوضع القائم في الجنوب وتنتشر هذه القوات على الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا وربما ايضاً على طول الحدود بين البلدين.
3 ـ بالرغم من مفاوضات السلام غير المباشرة القائمة حالياً بين سوريا واسرائيل في تركيا، وبالرغم من انتهاء عهد الرئيس الأميركي جورج بوش وانتقال السلطة في اميركا الى الحزب الديموقراطي والى الرئيس المنتخب باراك اوباما مع ما يبشر به من عهد جديد في علاقات اميركا مع دول العالم ولا سيما مع دول منطقة الشرق الأوسط، وبالرغم من استقالة رئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت وعدم تمكن وزيرة الخارجية تسيببي ليفني من تشكيل حكومة جديدة ودعوة الاسرائيليين الى انتخابات نيابية مبكرة في شهر شباط القادم. بالرغم من كل ذلك فان احتمالات نشوب حرب تشنها اسرائيل على سوريا ولبنان لا تزال قائمة. ويعزز هذا الاعتقاد التهديدات الاسرائيلية المتلاحقة الى سوريا ورغبة اسرائيل بالاستفادة من الوضع الدولي الحالي وانهماك جميع الدول بالأزمة المالية العالمية وغياب القرار الاميركي قبل تسلم الرئيس المنتخب باراك اوباما مقاليد السلطة في اميركا في كانون الثاني المقبل.
ان السوريين يعرفون جيداً نوايا اسرائيل العدوانية وهم على يقظة تامة ووعي كامل لما تخططه اسرائيل ولهذا فلا يمكنهم ان يأمنوا ويستكينوا. من هنا جاءت الحشود السورية على الحدود الشمالية للبنان خوفاً من عملية «دفرسوار» سورية في حال نشوب حرب بين البلدين تقوم بها القوات الاسرائيلية عن طريق عملية انزال بحري وجوي في شمال لبنان وتعبر منه الى داخل الساحل السوري لتصل الى ميناء طرطوس وسواه من الأراضي السورية دون وجود اية قوات سورية لصدها ووقف تقدمها. من هنا فان الهدف من هذه الحشود هو سد هذه الثغرة لمنع اية محاولة من هذا النوع. ومما يعزز هذا الاعتقاد طلب سوريا من لبنان ارسال لواء من الجيش اللبناني الى شمال لبنان بحجة هشاشة الوضع الأمني في هذه المنطقة، ودعوة وزير الدفاع اللبناني الى سوريا للتباحث والتنسيق والتعاون بين الجيشين اللبناني والسوري.
وعلى كل فان الاشهر والاسابيع القليلة القادمة تظهر ما تخبئه هذه الأيام.
"المستقبل"




















