اتفاق كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري مدفيديف على فتح صفحة جديدة في العلاقات القائمة بينهما بعد أن شابتها أجواء من التوتر على خلفية تباين المواقف فيما يخص الملف النووي الإيراني والدرع الصاروخية وإمدادات الطاقة إلى أوروبا والأزمة مع جورجيا، وخاصة في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش، يفتح مجالاً واسعًا من الآمال في رؤية مسار جديد يمكن أن يلج إليه العالم بعد حقبة الحرب الباردة.
وانقسام العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، كانت الحروب والمشاحنات والتنافس القاسم المشترك بينهما، ما بدَّد ثروات طائلة وطاقات بشرية هائلة من أجل التمكن من التفوق ليتأتى لكل معسكر له الانتصار ليُحْكم بالتالي هيمنته على العالم.
غير أن العام 1991 الذي شهد سقوط المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق قد كشف حجم الفواتير الباهظة التي دفعها البشر على ظهر هذا الكوكب ومدى ترنح العالم بميله إلى معسكر واحد وتغير الموازين التي كانت تحكم العالم لصالح الولايات المتحدة كطرف أقوى، حيث أصبح أشبه ببطة عرجاء.
واليوم يحاول كل من رئيسي الولايات المتحدة وروسيا وريثة الاتحاد السوفيتي، أوباما ومدفيديف ترميم العلاقات وإذابة الجليد انطلاقًا من عزم البلدين على بناء علاقة قائمة على الندية وتبادل المصالح المشتركة، من خلال إرساء أسس وقواعد عمل مشتركة كان لا بد منها لبناء جدار الثقة وإبداء حسن النية نحو ذلك والبرهنة على الرغبة المشتركة في إيجاد أرضية صلبة صالحة للبناء عليها، وذلك بالتوقيع على تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية وتقليص الرؤوس النووية ووسائل نقلها على أن يواصل خبراء البلدين المفاوضات بشأن التوصل إلى معاهدة جديدة لتخفيض هذه الأسلحة بحلول نهاية العام الجاري، والتوقيع على اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية.
على أن خفض عدد الرؤوس النووية إلى ما بين 1500 و1675 وخفض عدد القاذفات النووية (صواريخ عابرة تطلق من غواصات وطائرات قاذفة استراتيجية) إلى ما بين 500 و1100 لكل من البلدين، هو من الأهمية بمكان، كونه قد يشكل بداية عهد نحو خلو العالم من مثل هذه الأسلحة الفتاكة إذا ما تعززت جوانب الثقة بين القوتين الكبريين.
وحزمتا أمرهما باتجاه عالم خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، وتتمثل أهمية ذلك أن من طبع الصغير أن يقتدي بالكبير ويقلده، وبالتالي فإن اتجاه هاتين القوتين نحو نزع أسلحتهما النووية سيكون بمثابة أمر ضاغط على باقي الدول الصغيرة المالكة لهذه الأسلحة أو الساعية إلى امتلاكها، لأن الدواعي والمبررات ستكون ساعتئذ غير موجودة ومنتفية، الأمر الذي سيلزمها بالتخلي عن خططها الرامية إلى امتلاك هذا النوع من الأسلحة.
إن العالم اليوم بحاجة إلى السلام وحياة كريمة ليتمكن الإنسان من القيام بدوره يؤدي أمانته التي كلف بها ويحقق حكمة خلقه في الحياة الدنيا، ولذلك يعول على القوتين الكبريين أميركا وروسيا أن تحققا هذه الأماني وترتقيا إلى مستوى طموحات شعوب العالم وعدم الدخول في حقبة جديدة من الحرب الباردة تتفاقم بسببها الظروف المعيشية وتتراجع معدلات التنمية وترتفع معدلات الفقر والمرض، لا سيما منطقتنا التي أضحت مهددة بمشاريع الهيمنة الإسرائيلية وبرامج إسرائيل النووية.
حيث ترفض إسرائيل التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية أو فتح منشآتها أمام المؤسسات الدولية، ما جعل شعوب المنطقة تعيش هاجسًا مؤرقًا من حدوث تسرب أي إشعاعات نووية فضلاً عن المخلفات النووية التي قام الاحتلال الإسرائيلي بدفنها في الأرض الفلسطينية، مهددة حياة ما يزيد على ثلاثة ملايين فلسطيني وشعوب المنطقة بأسرها.
لذلك نتمنى أن يدنو اليوم الذي سيكون فيه بالإمكان إجبار إسرائيل على التخلي عن مشاريعها النووية، وإلزامها باستحقاقات السلام مع جيرانها وفي مقدمتهم أولئك الجيران الذين تسلب إسرائيل حقوقهم وتحتل أراضيهم, والعمل على توفير الأموال الداخلة في تصنيع أسلحة إبادة الحياة لاستغلالها في التنمية والاقتصاد والتطور العلمي والتكنولوجي لصالح البشرية.
الوطن



















