التسوية التي حصلت بين شركة لافارج الفرنسية لصناعة الإسمنت والقضاء الأمريكي والقاضية بدفع 778 مليون دولار، أعادت طرح قضية «تمويل الإرهاب» من قبل مصنع الشركة الفرنسية الواقع في بلدة جلبيه جنوب كوباني/عين العرب في الشمال السوري، خلال نشاط مصنع الإسمنت بين عامي 2011 و 2014، أي في أوج النزاعات المسلحة بين أطراف الصراع بعد تراجع النظام السوري: وحدات حماية الشعب الكردية، فصائل المعارضة من جيش حر وإسلامية وتنظيم الدولة الإسلامية.
وعادة ما نجد عبارة تقول، إن مصنع لافارج دفع الاموال «لجماعات إرهابية بينها تنظيم الدولة الإسلامية ووسطاء من أجل الحفاظ على نشاط مصنعها»، «وتأمين مرور موظفيها وشاحناتها وتحرير مخطوفين» و»شراء نفط ومواد أولية» بين عامي 2011 و 2014، ونلاحظ هنا عبارة «مجموعات بينها تنظيم الدولة» فما هي بقية هذه الجماعات؟ كما نلاحظ أن الفترة الزمنية تبدأ من 2011، بينما تنظيم الدولة لم يصل لمحيط منطقة المصنع جنوب كوباني سوى في صيف 2013، فلمن كانت تدفع هذه الأموال؟!
في الحقيقة أن مصنع لافارج كان يدفع أموالا للجماعات المسلحة التي تسيطر على محيط المصنع نظير الحماية، سواء كان تنظيم الدولة أو غيره، والمبالغ التي دفعت لوحدات حماية الشعب الكردية وفصائل الجيش الحر في مجلس منبج العسكري كانت أضعاف ما دفعه لتنظيم الدولة، ولثلاثة أعوام، ولكن لاعتبارات قانونية تتعلق بمكافحة الإرهاب، وأخرى مسيسة، ركز الإعلام على الجانب المتعلق بتنظيم الدولة ولعام واحد فقط!
أول الجماعات التي تلقت أموالا من مصنع لافارج هي وحدات الحماية الكردية، ويشرح مدير المخاطر في مصنع لافارج النرويجي جاكوب ويرنس بداية القصة ويقول، إن الأكراد في عام 2012 اقتحموا المصنع وسرقوا 20 شاحنة، لابتزاز الشركة، ما اضطرهم للدفع في نهاية المطاف، وهنا برزت مشكلة جديدة كما يشرح ويرنس، حيث انتشرت الأنباء عن قيام لافارج سوريا بدفع المال لوحدات الحماية الكردية لقاء حماية مصنعها، وهو ما دفع فصائل المعارضة الأخرى المعادية للأكراد للحصول على «حصة من الكعكة»، وهنا بدأت الضغوط على الشركة، اول هذه الحوادث هي خطف أحد موظفي الشركة في مقهى بمنبج، وطالبت مجموعة تنتسب للجيش الحر بفدية، واتهمت المصنع بإيواء قناصة إيرانيين، وهو حجة للحصول على الفدية وهو ما حصل بنهاية المطاف، وفي أكتوبر 2012، تم خطف تسعة من موظفي الشركة على طريق الرقة كوباني، معظمهم من العلويين، وطالبت مجموعات منتسبة للجيش الحر بإطلاق سراح عناصرها المعتقلين لدى النظام، ويضيف مدير المخاطر بالشركة القول «مع أن دفع الفديات لم يكن جزءاً من سياسة الشركة، قررت لافارج الخروج عن هذا المبدأ عندما أصبحت حياة الكثيرين على المحك. وتم التوصل إلى صفقة بقيمة 25 مليون ليرة سورية 22.000 دولار بعد توسط شخص بارز في الجيش السوري الحر من منبج يتمتع بشبكة علاقات جيدة، والذي – كما علم ويرنس لاحقاً- تحايل لرفع قيمة المبلغ ثم أخذ ثلثه وفرّ سراً إلى تركيا بعد ذلك.
لافارج بدت كرهينة تحاول دفع فدى مالية من أجل حمايتها وتأمين طرق الإمداد لشاحناتها وإمدادات الوقود والمواد الأولية كالرماد البركاني
ويكشف ويرنس عن أسماء الفصائل في كتابه الذي نشره بعد أربع سنوات لاحقة، ويقول إن الفصائل هي مجلس منبج الثوري ممثلاً بمحمد المنبجي، مجلس حلب السياسي ممثلاً بسعد الوفائي، المجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر، ممثلاً بلؤي المقداد، لواء الفاتح ممثلاً بنور الهلال أبو بكر، ولواء صقور الشهبا بقيادة محمد طلاس ابن أخ فراس طلاس، وحسب قول ويرنس وهو ضابط المخابرات السابق، اعتقد أنه سيكون بمأمن من العقوبات الغربية كون الفصائل التي تنتمي إلى الجيش هي على صلة بالحكومات الأمريكية والأوروبية، ويعلق الرئيس التنفيذي لـ»لافارج سوريا» برونو بيشو للمحقق الفرنسي قائلاً: «لا شكّ بأن شريكنا المحلي السيد طلاس قد تباحث مع فصائل المتمردين، ودفع لهم بعض المال بما يحقق الأمان لموظفينا» حسب تحقيق لوند. ويكشف برونو بيشو أيضا أن الشركة كانت تدفع ما بين 80 ألفا و100 ألف دولار شهرياً لطلاس ليقوم بدفعها للفصائل، بينما يؤكد أرون لوند، «أن وحدات الحماية الكردية حازت الحصة الأكبر، إلا أن الأموال وصلت أيضاً إلى جماعات مسلحة مختلفة من الجيش السوري الحر».
وزادت الحاجة للفصائل المعارضة الإسلامية بعد سيطرتهم على الرقة في مارس 2013، إذ توقفت إمدادات المصنع من الرماد البركاني المعروف بالبوزولانا Pozzolana من مقلع يقع شرق الرقة، كان المصنع قد وقع اتفاقا يقضي بشرائه من حكومة دمشق، لكن فقدان الحكومة السورية السيطرة على الرقة، لصالح الفصائل الجهادية، ومن بينها جبهة النصرة، اضطر المصنع لإيجاد ترتيبات جديدة لشراء المادة من الفصائل بحكم سيطرتها على مقلع الرماد البركاني. ويعترف ويرنس بأنهم في تلك المرحلة باتوا يعرفون أن الأموال تذهب لجبهة النصرة، التي تسيطر على مقلع الرماد البركاني شرق الرقة ويقول: «لم يكن خافياً أن جماعة إرهابية تسيطر على المقلع وبقية المدينة منذ بداية صيف عام 2013، ولهذا كان من الأهمية بمكان تنظيم العلاقة عن طريق وسطاء طلاس، لأن افتضاح أمر من هذا القبيل يضع «لافارج سوريا» في دائرة الشبهات، لكننا ساهمنا في الحقيقة من خلال طلاس في اقتصاد الدولة الإسلامية».
وفي هذه المرحلة، أي بعد سيطرة النصرة على مقلع الرقة، ومن ثم تقدم تنظيم الدولة وسيطرته على محيط المصنع، قامت لافارج بدفع الأموال لوسطاء مع تنظيم الدولة لحماية موظفيهم وطرق الإمداد، وفي وثائق تحقيق داخلي صدر عن الشركة الأم LafargeHolcim تبين أن مجموع ما دفع للأكراد والجيش الحر وتنظيم الدولة من خلال وسطاء يصل إلى 15.3 مليون دولار حصل منها فراس طلاس (الذي كان يعمل لصالح لافارج) وشركته «ماس» على 4.15 مليون، إضافة إلى مدفوعات أمنية، مُررت من خلال طلاس تقدر بـ5.38 مليون، ومدفوعات إلى وسطاء ومزودين مختلفين للمواد الأولية بمن في ذلك تجار مقيمون في الرقة يبيعون الرماد البوزولانكي بعلم تنظيم الدولة.
ومع ذلك تبدو حصة الأموال التي حصل عليها تنظيم الدولة هي الأقل، وهذا بحكم سيطرته على محيط المصنع لأقل من عام، بين صيف 2013 و2014، ويقول رئيس «لافارج سوريا» بيشو إن الدولة الإسلامية كانت تتلقى في مرحلة معينة 20 ألف دولار شهرياً من طلاس ووسطاء محليين نظير مواصلة السماح للشاحنات بالمرور وعدم التعرض لموظفي الشركة وتمرير الرماد البركاني من شرق الرقة. لكن الاموال لم تكن وحدها كافية لتأمين المصنع من تنظيم الدولة، ففي أغسطس 2013، تسلم مسؤولو مصنع لافارج أمر اعتقال من المسؤول الأمني للدولة الإسلامية في الرقة، بتهمة أن مسؤول المخاطر ويرنس والمسؤول الإداري مارك كاسل متعاونان مع حكومة الأسد التي استمرت «لافارج سوريا» بدفع الضرائب لها. وبقول لوند إن «المفارقة هنا أن ويرنس كان مطلوباً من المخابرات السورية أيضاً» بعد مداهمة منزله في يعفور بدمشق. وهذا ما دفع مدير المخاطر النرويجي ويرنس لمغادرة سوريا، ليستلم مكانه الأردني أحمد جَلودي مديرا للمخاطر. وفي سبتمبر عام 2014، لم يعد تنظيم الدولة مهتما على ما يبدو بالتفاهمات التي عقدها وسطاء محليون مع نقاط التفتيش والحواجز التابعة لعناصره، وفي خضم هجماته في القرى الكردية نحو كوباني/ عين العرب، سيطر التنظيم على المصنع وفرّ جميع موظفيه، وحاول تشغيله دون جدوى، وهكذا انتهت قصة المال والحرب بين لافارج التي بدت كرهينة تحاول دفع فدى مالية من أجل حمايتها وتأمين طرق الإمداد لشاحناتها وإمدادات الوقود والمواد الأولية كالرماد البركاني، وكذلك تحرير موظفيها من مختطفيهم، إذ اضطرت للدفع لكل من يسيطر على محيطها، بدءا من وحدات الحماية الكردية حتى مجلس منبج العسكري والجيش الحر حتى جبهة النصرة فتنظيم الدولة، وبسيطرة تنظيم الدولة على مصنع لافارج، أنهت الشركة عملها في سوريا. وفي النهاية يعلق الباحث أرون لوند الذي كتب أكثر الأبحاث عمقا عن قضية لافارج لصالح مركز كارنجي بقوله «قد يكون ذلك في نظر البعض مؤامرة كبرى أو مجموعة تدير بنشاط أعمال هذا السوق من وراء الكواليس، ببساطة ولكن وفق طرح أكثر واقعية؛ هذه هي ربما سيرورة العمل الاقتصادي في أي منطقة حرب، حيث تسيطر الفصائل المتنافسة على موارد ترتبط ببعضها بعضاً».
كاتب فلسطيني
«القدس العربي»


























