-2-
اجاب المرجع الديني الابرز في التيارات الاسلامية الاصولية الشيعية اللبنانية عن سؤال: هل من اتجاهات داخل ايران تتحرك ضد النظام الحاكم فيها؟ قال:
"في كل الأحوال، انطلق صوت المعارضة لنتائج الانتخابات كجزء من الحرية الموجودة في ايران، ومسار هذه الحرية تحرّك في اتجاه بقائها حرية منضبطة في إطار حركة بعض القيم، وإن تكن المناقشة في مسألة الحريات لا تنتهي بشكل عام، ولاسيما في اطار النظام الاسلامي الذي نكاد نقول انه يخوض تجربته الحيوية الاولى في التاريخ الحديث. الا انه مع ذلك ينبغي عدم التغاضي عن السياق الذي تعيشه ايران منذ انتصار الثورة، سواء في الحرب العراقية التي فرضت عليها، أو من خلال الحصار المفروض عليها من الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، ولاسيما ان ايران تحرّكت في خط صناعة القوة والاكتفاء الذاتي، اضافة الى دعمها حركات المقاومة والممانعة في المنطقة العربية والاسلامية. وهذا ما يوجد نوعاً من الحساسية المفرطة إزاء حالات الاختراق الخارجي للساحة الداخلية الايرانية، والتي تفيد من مناخ الحرية الموجود فيها وكذلك من حركة التنوع الثقافي والسياسي لخلق اجواء من الإثارة الكبرى لتحقيق اهداف لم تنطلق ربما في أذهان كثيرين ممن خرجوا للإحتجاج في الشارع".
كيف تفسر التحركات التي جرت أخيراً؟
أجاب: "هناك اتجاهات، في ايران وخارجها، تتحرّك في الخط المناقض تماماً للخط الإسلامي للنظام، مما لا يقبله حتى المتنافسون على الرئاسة في المسألة الانتخابية؛ لأنهم يتحركون في اطار النظام الاسلامي، ويختلفون في مفردات، صغيرة كانت او كبيرة، إلا انها تبقى في إطار الاختلاف السياسي المشروع ضمن اطار الدستور والقانون، وجزءاً من الحركية السياسية في الدولة الاسلامية. وهذا المناخ من الحرية المضبوطة في الاطار الاسلامي العام قد يقود الى تأصيل النظرية الاسلامية في مسألة الحكم والدولة مما لا يزال الواقع الاجتهادي في حاجة اليه بشكل وبآخر.
ولا بد لنا من ان نؤكد ان هناك حالة انعدام ثقة بالغرب المستكبر في مقاربته لأي من القضايا المتّصلة بالواقع العربي والاسلامي، وليس بالمسالة الايرانية فحسب؛ فقد لاحظنا ان الاطراف الغربيين لم يكونوا محايدين بالنسبة الى ما جرى في ايران، ومارسوا عملياً تأثيرات متنوعة لإبقاء الوضع الداخلي في موقع الإثارة. ومن الواضح أنه كان هناك رهان غربي على تغيّر في الواقع الإيراني بما يمكّن الغرب من تحقيق بعض مصالحه بشكل أفضل من حركة المفاوضات. واللافت تصاعد الحديث عن توجيه ضربة الى ايران، سواء من اسرائيل منفردة او بتغطية اميركية مباشرة بعد استقرار الأوضاع المستجدة بعد الانتخابات فيها. ويمثّل ذلك كله ضربة للشعارات التي جاءت بها الإدارة الأميركية الجديدة، ولاسيما في مسألة الاحترام المتبادل بين الشعوب والدول".
واضاف: "لقد كنا نقول دائماً ان السياسات الاستكبارية هي الا يمتلك اي موقع اسلامي الخبرة العلمية التي تسمح بجعله قوة تعيش حالة من الاكتفاء الذاتي، ولاسيما عندما يكون له دور مبدئي في الصراع الدائر بين المحاور، بما قد يهدد مصالح تلك المحاور او الدول، مما يؤكد ان المسألة بين ايران والغرب ليست موضوع سلاح نووي؛ لأن هذا يمكن ضبطه عبر وسائل وآليات معروفة، وإنما المسألة تتصل بالثوابت الاستراتيجية في التعامل الغربي المستكبر، والأميركي بالخصوص، مع الواقع العربي والاسلامي".
هل خسر الحاكم الفعلي في ايران شيئاً من رصيده في الانتخابات الرئاسية الاخيرة؟
اجاب المرجع الاصولي الابرز: "من الطبيعي أن الذي يكون في موقع السلطة والقرار السياسي يتحمّل أعباء لا يتحمّلها أي من اللاعبين الآخرين على المسرح السياسي ممن هم خارج السلطة، الذين يمكنهم ان يتحدثوا براحة أكبر، وبخيارات أقرب الى الواقع الثقافي التنظيري منها الى الواقع السياسي في مسألة الحكم. لذلك من الطبيعي جداً ان يخسر الحاكم شيئاً من رصيده عندما يتّخذ قرارا ما قد يعتبره يؤكد الثوابت الأساسية في الحكم، ويرجّح بالتالي كفّة فريق على آخر، على اعتبار ان ذلك يمثّل ترجيحاً لكفّة القانون.
ولذلك فإن المسألة لا تُقارب بالطريقة الاستهلاكية وبتبادل تسجيل النقاط، بل لا بد من مقاربتها من خلال طبيعة العناصر الموضوعية التي تمثّل عناصر التقويم للموقف السياسي او القرار.
قد تكون ثمة انتقادات لبعض الكلمات التي أطلقت هنا وهناك، مما قد يعتبره البعض خروجاً عن الموقع الأبوي لمقام القيادة، ولكن اللحظة التاريخية كانت من الحساسية والخطورة بمكان انه لا يمكن التوقف فيها عند الكلمات، ولاسيما عندما تختلط فيها الوقائع بالمشاعر، والحقائق بالاشاعات، وما الى ذلك.
مما لا شك فيه أن الفوضى تسمح بدخول كثير من الأطراف على خط التأثير على مسار الحوادث، ولاسيما عندما تكون المسألة بمستوى شعب، ولا نتحدث هنا عن اطار حزبي او ما اشبه ذلك مما يمكن ضبطه بطريقة وبأخرى.
يبقى ان ايران في حاجة الى كل أطيافها المخلصة والواعية التي يمكن ان تتوزع الأدوار في عملية بناء القوّة، وفي تحريك الفكر والنقد البنّاء، مما قد يتميز فيه فريق هنا على فريق هناك. وهذا من شأنه ان يغني التجربة الاسلامية في حركة الدولة، وفي إمداد الفكر الاجتهادي بالكثير من العناوين والإشكاليات الجديدة التي تحتاج الى إجابات نظرية واقعية تسمح بتطوير حركة الفكر الاجتهادي السياسي الاسلامي خطوات بعيدة الى الأمام، وينبغي للقائمين على شؤون الدولة والحكم في ايران العمل على ايجاد الأطر الكفيلة بتحريك الواقع في هذا الاتجاه".
قيل ان ما حصل في ايران بعد الانتخابات افقد المرشد والولي الفقيه وهج المرجعية والمرشدية نظراً الى انحيازه الى فريق ضد آخر من المتنافسين فيها. وقد أوحى ذلك وجود خلاف داخلي على ولاية الفقيه والمرشدية. فما هو تعليقكم على ذلك؟
سركيس نعوم
"النهار"




















