شهدت الأسابيع الماضية تسابقاً خطراً، من ناحية، بين المساعي الأميركية الرامية الى تسويق حل الدولتين، ومن ناحية ثانية، تفاقم الخلافات الفلسطينية الداخلية في أعقاب فشل الحوار الذي ترعاه القاهرة بين "فتح" وحركة "حماس"، الأمر الذي بات يشكل عثرة حقيقية في وجه أي تسوية سياسية، ومن ناحية ثالثة، تصاعد المواقف والتصريحات الإسرائيلية المشككة بامكانية تحقيق حل الدولتين في مستقبل منظور. كل ذلك يطرح تساؤلات حقيقية حول إمكان نجاح إدارة الرئيس أوباما في حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين.
ففي الوقت الذي يكثف فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما لقاءاته مع القيادات اليهودية الأميركية والإسرائيلية ومع القادة العرب في سعي حثيث لإقناع جميع الأطراف بضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة، محاولاً في آن معاً إرضاء العرب والفلسطينيين بالضغط على إسرائيل في موضوع تجميد البناء في المستوطنات، وطمأنة الهواجس الإسرائيلية بالتشديد على إلتزام الولايات المتحدة الدفاع عن مصالحها الأمنية؛ يستمر الخلاف الفلسطيني ويزداد تفاقماً. من انفجار الخلاف داخل حركة "فتح" بعد الإتهامات التي وجهها أمين سر اللجنة المركزية فاروق القدومي الى رئيس السلطة الفلسطينية متهماً إياه بالتواطؤ مع الإسرائيليين في التخطيط لتسميم الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات؛ الى فشل الوساطة المصرية في تحقيق المصالحة بين حركتي"حماس" وفتح" وبالتالي تأجيل التوصل الى حل على كيفية توزيع المساعدات من أجل اعادة إعمار غزة، وفشل الفلسطينيين في التوصل الى اتفاق على أي من الموضوعات العالقة الأخرى مثل حكومة الوحدة الوطنية. كل ذلك يزيد في إضعاف موقع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ويدعم الحجة الإسرائيلية القائلة بعدم وجود محاور فلسطيني قوي قادر على اتخاذ قرارات مصيرية.
في المقابل وعلى الرغم من تبني رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو بشكل مبدئي حل الدولتين؛ تزداد يوماً بعد يوم الأصوات الإسرائيلية المشككة بامكان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في وقت منظور. والأسباب كثيرة منها بحسب وزير الدفاع السابق موشيه أرينز، الذي يعكس موقف اليمين في إسرائيل، عدم وجود إجماع اسرائيلي حقيقي حول حل الدولتين وإنقسام المجتمع الإسرائيلي حول الفكرة. الى جانب تسليط المسؤولين الإسرائيليين الأضواء على الخلاف الفلسطيني وإنعكاساته السلبية على احتمالات التوصل الى حل. ففي رأي رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي عوزي أراد القيادة الفلسطينية فشلت فشلاً ذريعاً، وليس بينها سادات فلسطيني أو مانديلا فلسطيني. كما يشكك أراد في قدرة محمود عباس التوصل الى تسوية سلمية.
ولا يقتصر التشكيك في نيات أبو مازن وقدرته على إدراة العملية السياسية على قيادات اليمين الإسرائيلي، فحتى صحيفة "هآرتس" القريبة من اليسار تشارك الى حد ما في هذه النظرة. فقد نشرت تحليلاً أمس جاء فيه أن محمود عباس رفض في أيلول عام 2008 اقتراحاً لإيهود أولمرت يقضي بإنسحاب إسرائيل من 93,5 في المئة من أراضي الضفة الغربية والحصول على 5,8 في المئة من مناطق بديلة في إسرائيل مقابل ضم الكتل الإستيطانية الى إسرائيل وتقاسم السيادة على مدينة القدس وإخضاع الحوض المقدس لاشراف لجنة دولية. وفي رأي الصحيفة كان عرض أولمرت يخول أبو مازن الحصول على مناطق تعادل 100 في المئة من مساحة الضفة الغربية لكنه لم يوافق على الإقتراح.
ويستنتنج الكاتب أن المواقف الإسرائيلية والفلسطينية ما زالت عينها منذ تسعة أعوام أي منذ مؤتمر "كمب ديفيد"، ولن تتغير وهي بحاجة الى وسيط خارجي لجسر الهوة وتقديم الإغراءات للطرفين لحملهما على الإقدام على تنازلات مؤلمة. فكيف سينجح المبعوث الخاص للرئيس الأميركي جورج ميتشيل في هذه المهمة في ظل عائقين كبيرين: ضعف السلطة الفلسطينية وتدهور مكانة رئيسها محمود عباس من جهة، وتشدد الحكومة اليمينية الإسرائيلية ومراكمة العقبات والصعوبات في وجه انطلاق المفاوضات مع الفلسطينيين ومعاودة الحوار مع سوريا من جهة أخرى؟
"النهار"




















