النهار
– عكا
تتركز "الحرب" الإسرائيلية المعلنة على فلسطينيي 1948، في الآونة الأخيرة، في موضوع النكبة أكثر من أي موضوع آخر. وعلاوة على قيام الكنيست الإسرائيلية بتشريع قانون خاص يجرّم إحياء ذكرى النكبة، بادر وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، غدعون ساعر (من حزب الليكود)، أخيرا، إلى حظر كتاب تدريسي في المدارس الفلسطينية الابتدائية استعمل فيه مصطلح النكبة من أجل توصيف "حرب الاستقلال الإسرائيلية" في 1948. وبذا فقد أسدل الستار على قرار كانت اتخذته وزيرة التربية والتعليم السابقة، البروفسور يولي تامير (حزب العمل)، في عام 2007، وقضى باستعمال مصطلح النكبة ضمن كتاب تدريس التاريخ للتلاميذ الفلسطينيين بدلاً من "حرب التحرير (الإسرائيلية)"، كما كان متبعًا على مدار ستة عقود. وقد أثار قرارها هذا في حينه عاصفة من ردود الفعل الغاضبة في صفوف الوسط واليمين في إسرائيل. وفي سياق ذلك دعا بعض نواب اليمين رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، إلى إقالة تامير فورا وأعادوا إلى الأذهان قرارًا سابقا للوزيرة نفسها بأن تشمل الخرائط التي يستعين بها التلاميذ "الخط الأخضر" الفاصل بين مناطق عام 1948 ومناطق عام 1967.
ورأى نواب اليمين كافة في القرار "تحريضًا على إسرائيل" و"مناهضًا للصهيونية". وبزّت وزيرة التربية والتعليم السابقة ليمور ليفنات (الليكود) الجميع واعتبرت أنه "يحمل الطلاب على الاستنتاج بأنه ينبغي العمل ضد دولة إسرائيل ويحثهم على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي". وعزا وزير "الشؤون الإستراتيجية"، أفيغدور ليبرمان (يمين متطرف)، هذا القرار إلى "عقدة اليسار الصهيوني وانهزاميته وبحثه المتواصل عن الأعذار بشأن ما كان واجبًا علينا القيام به". ودعا اليسار إلى الكف عن "جلد الذات". واعتبر وزير التعليم الأسبق، النائب اليميني المتشدّد زبولون أورليف، قرار الوزيرة "نكبة لجهاز التعليم الإسرائيلي" وقال إن تامير "تشطب بقرارها تاريخ الشعب اليهودي وتكفر بإسرائيل كدولة يهودية وتمنح العرب شرعية عدم الاعتراف بإسرائيل دولة للشعب اليهودي".
إذا كان من الصعب، من باب المعقولية السياسية، اعتبار المؤسسة السياسية الإسرائيلية بمثابة "صخرة أو كتلة صمّاء"، فإنها في الموقف من ذاكرة النكبة لا تزال تتصرّف كصخرة / كتلة صمّاء، وليس من المجازفة القول إنه لا فرق كبيرًا في ذلك بين اليميني واليساريّ الصهيوني، لأن هناك قاسما مشتركا يجمع كل هؤلاء هو إنكار النكبة، وبالتالي ابتذال ذاكرتها الفلسطينية وسِواها. وبغية إثبات ذلك يكفي أن نستعيد نموذجين بارزين حدثا بالتزامن مع قرار تامير، الذي جعل موضوع النكبة الفلسطينية يتصدّر الأجندة الإسرائيلية العامة:
• النموذج الأول – ما كتبه غلعاد شارون، أحد النجلين الفاسدين لأرييل شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، في سياق مقال ظهر في صحيفة "هآرتس" في 25 نيسان 2007 (غداة "يوم الاستقلال" الإسرائيلي). وممّا جاء فيه: ثمة قضايا كبرى تواجهها إسرائيل أهم من قضايا الفساد المالي والأخلاقي، وهي قضايا ذات صبغة إستراتيجية محضة. وقد ركز على قضية واحدة من هذه القضايا الإستراتيجية هي، بحسب تعبيره، "إسرائيل والمواطنون العرب" ليخلص منها إلى نتيجة فحواها أنه لا ينبغي أن يعلو صوت على صوت يهودية إسرائيل.
وفي عرف شارون الابن فإن حقيقة كون العرب مواطنين في إسرائيل لا مواطنين في دولة عربية، هي خطأ تاريخيّ اقترح تصحيحه بواسطة تبادل سكاني يشمل عرب بلدات أم الفحم، باقة، الطيبة، جلجولية، كفر برا الخ حتى كفر قاسم…
• النموذج الثاني – ما كتبه الأستاذ الجامعيّ والمدير العام الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، البروفسور شلومو أفينيري، أيضا في "هآرتس"، في 10 أيار 2007، ودعا فيه للإنصات النقديّ إلى ما سيقوله الفلسطينيون لدى إحياء ذكرى النكبة. وممّا قاله في هذا الشأن: إلى جانب الفهم والتعاطف الإنساني مع معاناة الفلسطينيين، يمكن طرح بضع علامات استفهام بشأن الطريقة التي يتمّ بواسطتها عرض النكبة في الرواية التاريخية الفلسطينية والعربية. فهي تعرض كأمر سيىء ورهيب حلّ بالفلسطينيين من غير قدر ولو بسيط من التأمل الداخلي والنقد الذاتيّ والجاهزية لمواجهة مساهمة الفلسطينيين أنفسهم في نكبتهم.
وأضاف: ليس من المبالغة القول إنه لن يتم التوصل إلى تسوية حقيقية بين إسرائيل والفلسطينيين من دون أن يكون لدى الاخيرين استعداد، ولو جزئياً، للاعتراف بأنه كان لهم قسط في المسؤولية عما حدث معهم في عام 1948.
إنّ ما كتبه غلعاد شارون ينطوي على استبطان لإرث شارون الأب السياسي. وقد سبق لتوم سيغيف، المؤرخ والصحافي الإسرائيلي، أن كتب عقب دخول أرييل شارون في غيبوبته التي لم يستفق منها أن "ابن المزارعين من كفار ملال (يقصد شارون الأب) لم ير في الجيوش العربية خطرا على إسرائيل، فالخطر الأكبر كان يتبدّى له من العرب المقيمين في أرض إسرائيل". ووفقا لسيغيف فقد قال شارون ذات مرّة: "إنني لا أكره العرب، ولكنني على وجه اليقين أو من عميق الإيمان بحقوقنا التاريخية على أرض إسرائيل، وهذا يفاقم بشكل طبيعيّ من موقفي إزاء العرب".
وشارون لا يختلف في ذلك عن غيره من القادة الصهاينة الذين تساجلوا فيما بينهم بشأن ما سمي بـ "المشكلة العربية" ودرسوا احتمالات عدة لـ "حلّها" لكنهم أجمعوا على مبدأ أساس، هو أرض أكثر وعرب أقلّ!
ونصادف في ما كتبه شلومو أفينيري، المحسوب على اليسار الصهيوني، نصّا كلاسيكيًا لمحاولات إسرائيل المتواترة أن تلقي عن كاهلها المسؤولية الرئيسة عن النكبة (لا يعني هذا انتفاء ضرورة التوقف النقدي أمام أحداث النكبة وما يستدعيه ذلك من تقطير لمسؤولية الفلسطينيين عنها).
ويطرح السؤال: ما الذي يقف وراء هذا الموقف الإسرائيلي الإجماعي الأصّم من النكبة وذاكرتها؟ وكذلك من القضايا التي ترتبت عليها؟
في واقع الأمر تقف وراء هذا الموقف عوامل كثيرة، لعل أهمها عامل المحورية القومية، أو التمركز حول الذات… ونتيجة له فإن الحديث عن النكبة لا يتمّ تحت إغراء السؤال بشأن الآثار التي تركتها على الشعب الفلسطيني، وإنما حول ما يمكن أن تلحقه ذاكرتها من أذى بصورة إسرائيل والمشروع الصهيوني برمته.
وعامل المحورية القومية راسخ في الممارسة الصهيونية، منذ وجدت، ومستمر في ممارسات إسرائيل. وهو يحيل إلى ما يعرف بـ "تقنية المرآة"، أي إنعام النظر في الآخر كما لو أنه "صورة طبق الأصل عن الذات"، ما يفتح المجال واسعًا أمام التخيّل والإسقاط اللذين تعوزهما الصدقية.
وعلى ما يبدو فإن التخيّل والإسقاط لا يزالان "سيّدي الموقف" في التعامل الإسرائيليّ مع ذاكرة النكبة. وفي القضية الأخيرة التي تتعلق بالتلميذ العربي ثمة ما يستدعي التوكيد، إضافة إلى ما تقدّم، وهو على صلة بمسألة عنصري التذكر والنسيان وضرورة أن يكونا مشتركين للجميع داخل إسرائيل. إنّ العاصفة ضد قرار تامير، التي انتهت بإسقاطه، تنطوي في العمق على محاولة تهدف إلى ترسيخ هدف التعليم الصهيوني الخاص بالطالب الفلسطيني، وهو هدف لا ينفك سائرًا في وجهة تعميق سيرورة بلورة ذاكرة مشتركة إسرائيلية الشكل والمضمون، المبنى والمعنى، وفي موازاة ذلك في وجهة تكريس سيرورة نسيان مشترك للذاكرة "المضادة" والتاريخ "المضاد" في القراءة الإسرائيلية (الذاكرة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني). وفي واقع الأمر فإن النسيان هنا هو نسيان حصري يخصّ الأجيال الفلسطينية فحسب، نظرا الى أن مثل هذا النسيان لا يعدو كونه أكثر من تحصيل حاصل الذاكرة المشتركة الملفقة بالنسبة للأجيال اليهودية الإسرائيلية.
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – "مدار")




















