باراك اوباما، اميركي من اصول افريقية وليس شرق اوسطية. عاش في اندونيسيا وهاواي قبل ان يستقر في الولايات المتحدة طالبا مميزاً، ثم محاميا لامعاً، فسياسيا مفوهاً، واخيرا رئيسا ظاهرة لاميركا. ولم يصدر عنه طوال الفترة التي سبقت دخوله البيت الابيض مايشير الى اهتمام خاص بالصراع العربي – الاسرائيلي او الى تعمق بالعالم الاسلامي وشؤون المنطقة وقضاياها المعقدة. ولولا "اتهامات" وُجهت اليه من "انصار اسرائيل" الاميركيين اثناء الحملة الانتخابية الرئاسية عن صداقات سابقة كانت تربطه في المرحلة الجامعية بعروبيين او بانصار للقضية الفلسطينية من امثال الدكتور رشيد الخالدي، لتوهّم البعض ان "النيزك الاسود" الهابط على الحياة السياسية الاميركية لايعرف اين موقع فلسطين على خريطة العالم!
أوباما فاجأ العالم منذ اليوم الاول لتوليه السلطة، بـ"هوسه" الشرق اوسطي وجعله ايجاد حل للصراع المزمن بين العرب واسرائيل اولوية اولوياته، على رغم التركة الثقيلة التي خلّفها له سلفه جورج بوش من ازمة اقتصادية عالمية "لم يمر بعد اسوأ فصولها " كما يقول مستشاروه انفسهم، الى ورطة في العراق ومثلها في فلسطين، وصولا الى ماهو اصعب منهما في ايران. فاصراره على تحريك مفاوضات السلام الغارقة من زمان في سبات عميق، يبدو خارجا عن المألوف وعن اي منطق، وحماسه لايجاد حل سريع لهذه العقدة التي استعصت على كل "الحكماء" من قبله والتي لاتضاهيها حتى حماسة العاشق لملاقاة العشيقة او حماسة الطفل للعبة، تجعل حتى اهل هذه القضية يتساءلون في قرارة انفسهم : هل نستأهل فعلا كل هذا الاهتمام؟ وهل ان رئيسا اميركيا يتحدث بهذا الالحاح عن اقامة دولة فلسطينية هو حلم ام حقيقة ؟
هذا الاصرار يترجمه اوباما، باطلاق موفديه في المنطقة كرشق الرصاص. فلا يكاد يذهب احدهم حتى يأتي الآخر. ولا يكاد كبيرهم جورج ميتشل يغادر المنطقة، حتى يعود مجدداً. فهو لايرحم جسده من عناء السفر، ولايرحم محاوريه من اقتراحاته المتواصلة واجتماعاته المتلاحقة بهم. وفي ظل هذا الدوران المكوكي للمبعوثين، لا عجب ان نسمع بعد قليل عن دعوة اميركية الى مؤتمر سلام جديد، اشبه بمؤتمر مدريد لا يستثنى من حضوره احد وخصوصاً لبنان وسوريا.
وبالحاحه "اللامحدود" على الحل في الزمن "اللامعقول"، يطمح اوباما ان يسجّل انجازا لم يسبقه اليه احد بان يحفر اسمه في التاريخ كناشر سلام في "العن" منطقة من مناطق العالم بعد الحرب العالمية الثانية. وبمثل هذا الانجاز، اذا تحقق، يمكن ان يفتح كل الابواب المغلقة في وجه واشنطن من افغانستان وباكستان وصولا الى لبنان وغزة، وان يسحب من اعدائه اللدودين، ولاسيما من ايران، ابرز اوراق قوتها ويضعها في مواجهة جيرانها بدلا من ان تكون في مواجهة اسرائيل وواشنطن، وان يعيد مصالحة اميركا مع المسلمين ودولهم الكبرى في ظل صراع على الابواب بين العالم الاميركي والعوالم الاخرى الطامحة الى تعدد الاقطاب الدوليين. وطبعا، فان امن اسرائيل لم يغب عن رؤية اوباما. فهو لم يجترح حل الدولتين لاضعاف صديقة اميركا الاولى في العالم، بل لحمايتها، اعتقادا منه ومن نخبة اميركية ويهودية جديدة ان مصلحة اسرائيل هي في اقامة دولة للفلسطينيين على حدود دولة اسرائيل قبل السقوط في شر الدولة الواحدة التي تجمع بين الشعبين وقد يصير فيها اليهود مستقبلا اقلية بفعل التكاثر الديموغرافي وديموقراطية الصوت الواحد.
ان اصرار اوباما على الحل لالبس فيه، وجهود مساعديه للتعجيل بجر محادثيهم العرب والاسرائيليين الى طاولة المفاوضات مجدداً، واضحة كالشمس، واستعداد الادارة الاميركية الجديدة لدفع الاثمان ولممارسة الضغوط وتلقي الصفعات، جلية ايضا بدليل الحملة الشرسة المضادة من اليمين الاسرائيلي واصدقائه في الكونغرس والمحافل الاميركية ضد النهج الاوبامي الجديد.
حتى الآن لكل خطوة من خطوات اوباما حسابها، لكن الذي لم يحسب له حساب هو فكرته نفسها التي تفترض ان السلام بات مختمرا لدى الطرفين، وهو لايحتاج سوى الى من يقدم كاسه اليهما لاجتراعها، في حين ان الواقع هو غير ذلك. فالسلام يحتاج قبل كل شيء الى سلام فلسطيني – فلسطيني.. وهو مفقود، والى سلام عربي – عربي… وهو ايضا مفقود. اما السلام الاسرائيلي فيجري توسيعه في المستوطنات وجدار الفصل.




















