"سيدي الرئيس اكتب لك رسالة. اذا كان لديك وقت فاقرأها". بهذه الجملة تبدأ احدى قصائد الاحتجاج الكبرى في كل الازمنة. كتبها بوريس فيان وغناها في باريس في العام 1954. يواصل الشاعر "لا أعيش على الأرض كي أقتل البؤساء. وأنا سأهرب، لأقول لكل الناس ارفضوا الطاعة. اذا كان ينبغي سفك الدماء، سيدي الرئيس، فاسفك دمك".
تلك كانت عهوداً عاصفة في فرنسا. حرب تحرير الجزائر هددت بتصفية مشروع الاستيطان الفرنسي بشمال افريقيا. وزير التعليم، جان بيرتون، سمع القصيدة، واتخذ عملا وطنيا. حظر القصيدة في الراديو فمنحها حياة خالدة. مرت اكثر من خمسين سنة ولا يوجد فرنسي لا يعرف القصيدة، ولكن فقط بحث عنيد في غوغل يرفع من النسيان ذاك الوزير الذي فرض الحظر.
جدعون ساعر قرر ان يشطب قصة النكبة من المنهاج التعليمي. بعد مئة وعشرين عاما عندما سيسكن الناس في شارع ساعر ولن يعرفوا من هو هذا الرجل سينشد شبان فلسطينيون قصص الطرد، والخراب، والقمع.
الاسرائيلي العادي، الذي يتمترس وراء القصة الصهيونية الرسمية، يطلق على النكبة شعارات بائسة: هم ذهبوا من هنا لانهم صدقوا دعوات الزعماء العرب، بأنهم سيعودون على الفور وسيطردون اليهود من هنا. من لم يهرب طواعية، بقي ولم يحصل له شيء. هم عارضوا التقسيم، فليدفعوا الثمن. هذه شعارات، وليست بحثا تاريخيا. نعم، كان هناك عرب ذهبوا طواعية. ولكن كان هناك كثيرون طردوا بفوهات البنادق. صحيح، العرب لم يقبلوا التقسيم في 1947، ولكن حركة حيروت ايضا لم تقبل به. صحيح، لو كانت حرب الاستقلال الاسرائيلية انتهت بالهزيمة، لا ريب في ان قادة الجيوش العربية المظفرة كانوا سيقتسمون هذه البلاد الصغيرة بينهم، وعندها لن تكون فلسطين ولا بطيخ. كله صحيح، فماذا في ذلك؟
النكبة ليست تاريخا. هي اسطورة. وهذه الاسطورة ضرورية. فهي ترمم، كيفما اتفق، الكرامة العربية. لسنوات طويلة اشتبه بهؤلاء ممن لم يهربوا من هنا في 1948 بأنهم نوع من الخونة، والعملاء، ورويدا رويدا نشأ تعبير "الصمود". "نحن لم نهرب" قال عرب المثلث، "ولكن بطريقتنا، كافحنا في سبيل الارض". الاسطورة، ليست كالحقائق التاريخية، تتضخم بالاماني والتشويهات المقصودة للحقيقة. الاسطورة دوما تنتصر، دون اي جهد، على الحقائق. وشيء آخر تعلمناه من التاريخ. لا توجد عدالة مطلقة. في اي مكان. توجد سياقات، قوى، منتصرون ومهزومون. فَهْم الاسى والألم العربي لا يعني الاعتراف بخطأ مشروع النهضة العبرية. بالعكس. فقط التخفيف من احساس الغير يمكنه ان يؤدي الى تطهير الطرف المنتصر.
ولكن يوجد درس مشوق آخر في التاريخ. يوجد طريق ممتاز لتبخير الاساطير. يدخلونها الى المنهاج التعليمي. مرة اخرى نكبة، أفٍ، من لديه القوة لقصص الشيوخ هذه؟! ساعر مثل كل طفل، يغفو أمام المعلم. الآن، مثل ذاك البيرتون الفرنسي، حظر وشطب، وهكذا منح اسطورة النكبة حياة الخلد.
("معاريف" ترجمة "المصدر" – رام الله)
"النهار"




















