زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن إلى أوكرانيا، حملت ملفات عديدة، وسبقتها عدة تصريحات نوهت عن أبرز هذه الملفات وهو كيفية تغيير السلطة في أوكرانيا.
وبالرغم من أن الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو قد أعلن منذ أسابيع عزمه الترشح لفترة رئاسية جديدة، إلا أن البيت الأبيض أشار في تصريحاته إلى ضرورة أن يتخذ يوشينكو قرارا صعبا، دون أن يتم الكشف في هذه التصريحات عن ماهية هذا القرار الصعب.
إلا أن مصادر مقربة من الرئاسة كشفت عن أن واشنطن تريد استبدال يوشينكو برئيس آخر، في إطار دعوتها لتهدئة الشارع السياسي في أوكرانيا، وتجنب انفجار سياسي يهدد البلاد بالانقسام.
ولكن الرئيس يوشينكو ما زال يحاول إيجاد مساحة له في الساحة السياسية، وتحديدا في السلطة، ما دفعه لأن يلعب دور منقذ اقتصاد أوكرانيا وقائد الإصلاح، حيث وضع خطة لتحديث شبكة نقل الغاز الأوكرانية، وتوجه إلى المستثمرين الغربيين والمؤسسات المالية يطلب منهم الدعم والتمويل.
إلا أن الرد الأوروبي كان مخيبا للآمال، حيث أعلنت المفوضية الأوروبية طرح شروط من المفروض أن تلبيها أوكرانيا لكي تحصل على قرض لتمويل شراء الغاز الروسي، ومن بينها السماح للمراقبين المستقلين بدخول منشآت تخزين الغاز في أوكرانيا، للتحقق من عدم هدر ما تختزنه هذه الصهاريج، ووضع جدول زمني لزيادة أسعار بيع الغاز إلى السكان والمؤسسات في أوكرانيا، وتحقيق المزيد من الشفافية والمكاشفة في قطاع الغاز، ما يعني انتهاك سيادة أوكرانيا على ثرواتها وأراضيها، وهو ما يصعب قبوله.
أما السيدة يوليا تيموشينكو فقد كانت أكثر ذكاء، حيث توجهت نحو الشرق الأوسط. وقد شهدت الفترة الأخيرة زيارات رسمية كثيرة قام بها قادة أوكرانيا إلى الجماهيرية الليبية ومسؤولون ليبيون إلى أوكرانيا، حيث يبحث الجانبان إمكانية توريد النفط والغاز الليبيين إلى أوكرانيا، وتشييد مصنع جديد لتكرير النفط في أوكرانيا، وإقامة مشاريع زراعية مشتركة، والتعاون في صناعة الطائرات.
وتمليك ليبيا منشآت استراتيجية في أوكرانيا. من المعروف أن أوكرانيا تحصل على كافة احتياجاتها النفطية من ليبيا، فيما تسعى طرابلس إلى الحصول من كييف على ترخيص لاستثمار أراضٍ زراعية أوكرانية، بالإضافة إلى استقدام أطباء من أوكرانيا ليعملوا في ليبيا، وإيفاد طلبة ليبيين إلى أوكرانيا، والحصول على حصص في مشاريع استثمارية أوكرانية كمصنع تابع لميناء أوديسا.
وإذا كان البعض يرى أن الولايات المتحدة تشجع بصورة غير علنية التعاون الأوكراني الليبي، لأنه يضعف العلاقات الأوكرانية الروسية، فإن حقيقة الأمر أن هذا التعاون يتم برعاية روسية، لأنه يزيح عن كاهل روسيا مشاكل أوكرانيا الاقتصادية.
الجانب الذي يمكن أن تعتبره موسكو خروجا عن الخط المرسوم، هو إقدام أوكرانيا على توريد أسلحة ومعدات عسكرية إلى ليبيا، لأن القناعة السائدة في موسكو أن روسيا فقط من حقها توريد المعدات العسكرية والأسلحة لدول المنطقة.
ولكن الجانب الهام في هذا التعاون، هو أنه يقدم يوليا تيموشينكو كمخلص للوطن من الاضطراب الذي أصاب اقتصاده، وكسياسي قادر على الانفتاح على كل دول العالم لتحقيق مصلحة بلاده، وهو ما ينهي تماما حلم الرئيس يوشينكو في الترشح لفترة رئاسية جديدة.
ولا شك أن تيموشينكو استوعبت الدرس وأدركت متغيرات المرحلة، ونجحت في وضع خطة تلائم الوضع الجديد، فيما يصر الرئيس يوشينكو على اتباع النهج القديم الذي يستند بشكل كامل على الدعم الغربي، والسياسة المعادية لروسيا.
في وقت تخلى الغرب فيه عن نبرة العداء لموسكو، حيث دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ياب دي هوب شيفر إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجية التعامل مع موسكو، ولترميم العلاقات مع روسيا، باعتبار أن كلا من الناتو وروسيا في أمس الحاجة لبعضهما البعض. بل وأضاف أن جورجيا وأوكرانيا لا تفيان بمتطلبات عضوية الناتو، مشيرا إلى أن أكثر ما لا يرضي الحلف هو الوضع السياسي في هذين البلدين. هذا الوضع يكشف عن قادة المرحلة القادمة في أوكرانيا، وملامح سياساتها الدولية.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني
"البيان"




















