بعد حرب 1973 اتخذت كل الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية قراراً استراتيجياً بالسلام مع اسرائيل. وكل الحروب التي شنت على لبنان والاراضي الفلسطينية بعد ذلك كانت اسرائيل هي المبادرة اليها. وحتى قبل 1973 الحروب التي اندلعت في المنطقة كانت اسرائيل هي البادئة فيها. ومن خلال الذهاب الى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ترجمت الدول العربية قرارها الاستراتيجي بالسلام من طريق الدخول في مفاوضات مباشرة مع الدولة العبرية أفضت مع الاردن الى معاهدة عربة، ولا تزال السلطة الفلسطينية تفاوض بتقطع، فيما المساران اللبناني والسوري مجمدان منذ عام 2000.
وذهبت الدول العربية خطوة أخرى نحو ترجمة قرارها بالسلام عبر تبني المبادرة العربية في قمة بيروت التي تدعو الى التطبيع مع اسرائيل في مقابل انسحاب جيش الدولة العبرية من كل الاراضي العربية المحتلة واقامة الدولة الفلسطينية.
لكن الحاصل اليوم هو ان النيات العربية بالسلام مع اسرائيل تقابل بالتشكيك من اسرائيل وواشنطن الى حد ما. وإلا ما معنى اشتراط التطبيع قبل التوصل الى السلام، ووضع التطبيع في مقابل الوقف الموقت للاستيطان. وقد اوقع الرئيس الاميركي نفسه في ورطة من خلال مطالبته العرب بخطوات موازية لخطوة وقف الاستيطان. وباتت اسرائيل اليوم متسلحة بمطلب التطبيع في مقابل الوقف الموقّت للاستيطان. وهي موقنة انه ليس في مقدور الدول العربية اتخاذ خطوة من هذا النوع قبل الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي العربية.
ويعظم التساؤل عندما تعود الذاكرة الى معاهدة كمب ديفيد مع مصر، إذ ان التطبيع لم يحصل قبل الانسحاب او على الاقل لم يسبق الاتفاق على الانسحاب من الاراضي المصرية. فلماذا تريد اسرائيل التطبيع مع الدول العربية قبل الانسحاب من الضفة الغربية والجولان ومزارع شبعا؟ إلا اذا كان الاصرار الاسرائيلي على التطبيع يحمل نية نسف كل الجهود المبذولة حالياً لاعادة اطلاق العملية السلمية.
وقد اتخذت اسرائيل واميركا من مقال ولي العهد البحريني الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة في "الواشنطن بوست" ومن دفاع ولي عهد ابو ظبي عنه، مثالاً لما يمكن ان يقدم عليه العرب في هذه المرحلة لتشجيع بنيامين نتنياهو على وقف موقت للاستيطان. ومعلوم ان المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل استهل جولته الاخيرة في المنطقة بزيارة دولة الامارات العربية المتحدة، وأنهاها بزيارة البحرين في دلالة رمزية على تقديره لموقف البلدين من التطبيع مع اسرائيل.
وإذا كانت زيارات ميتشل ووزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس ومستشار الامن القومي الاميركي جيمس جونز، لم تحمل نتنياهو على اتخاذ قرار بتجميد الاستيطان، فماذا سيتطلب قرار بالانسحاب من الضفة الغربية او تسليم السيادة على الاحياء العربية في القدس الشرقية للسلطة الفلسطينية؟
كل الضغط الاميركي الحالي أسفر عن إدخال استثنائي لشحنة من الاسمنت الى قطاع غزة لتلبية الحاجة الملحة لـ"الاونروا" لاعادة بناء ما هدمته الحرب الاسرائيلية على القطاع مطلع السنة. ومع ذلك يعد نتنياهو الفلسطينيين بتحويل الضفة الغربية دبي أخرى. ويتوعد ايضاً بترك غزة تموت تحت الحصار لأن "حماس" لا تفرج عن جلعاد شاليت. ويطلب ايضاً من الفلسطينيين الانتفاض على "حماس".
وبالعودة الى الاساس، فإن اميركا واسرائيل تشككان في نية العرب التطبيع اذا ما نفذت اسرائيل انسحاباً من الاراضي العربية، وواشنطن وتل ابيب تخشيان ان يحصل الفلسطينيون على دولة مستقلة ويبقى الصراع. بيد ان الحقيقة التي لا تريد اميركا ولا اسرائيل ان تعترفا بها هي ان الصراع مع الدولة العبرية يتجاوز خلافاً على الارض ليتعداه الى صراع على الوجود كانت اسرائيل هي البادئة به ايضاً.
"النهار"




















