بينما أحيى خطاب الرئيس أوباما في القاهرة، آمالا في موقف أميركي جديد أكثر توازنا وأقل انحيازا، وأكثر عدلا وأقل ظلما، وأكثر سلاما وأقل عدوانا تجاه الصراع العربي الصهيوني، وبينما نرى اختلافا كبيرا في الخطاب السياسي لأوباما عن خطاب بوش، بما يشير إلى حسن النوايا تجاه قضايا العرب والمسلمين، فإننا ندرك أيضا مدى حضور التأثير الصهيوني اليهودي واليميني المسيحي المترابط في القرار الأميركي من خلال المؤسسات التشريعية، وغياب التأثير العربي والإسلامي غير المترابط لدعم التوازن الواعي في السياسة الأميركية على حساب الانحياز الأعمى.
وفيما يسعي الرئيس أوباما «لتحسين الصورة الأميركية السيئة» لدى العرب والمسلمين، ويقول لنا إنه رغم الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل، فإنه يلتزم أيضا بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وباتخاذ «موقف متوازن بين العرب وإسرائيل» برؤيته لحل الدولتين، ومطالبته إسرائيل بوقف الاستيطان خاصة في القدس، كتمهيد لاستئناف المفاوضات وصولا إلى التسوية السلمية، وبينما ترفض إسرائيل رؤيته ومطالباته، حيث ما زالت في مأمن من العقاب أو رد الفعل الأميركي الحازم الذي يؤكد مصداقيتها ويقنعنا بقدرة أميركا على الحل العادل أو المتوازن.
فإن السياسية الأميركية، بعد ستة شهور من تولي الإدارة الجديدة الواعدة بخطابها الجديد، ظهرت على غير ما بدت عليه في شهورها الثلاثة الأولى في اتجاه العدالة والسلام والحرية، وبدت مواقفها المرتبكة، بدءاً من تصريحات نائب الرئيس الأميركي بايدن في بيروت وبغداد، ومروراً بوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في واشنطن ونيودلهي، ونهاية بوزير الدفاع جيتس في القدس المحتلة، والمبعوث الأميركي ميتشيل في القاهرة، وبدت مشوشة بسعيها لتحسين علاقاتها مع خصومها العرب والمسلمين في إيران وسوريا والسودان، وبما يناقضها من سعيها للنجاة من الغرق في العراق، مع إصرارها على الإمعان في الغرق في أفغانستان!!.
وعندما أعلن من واشنطن قبل أيام عن تحرك أميركي دبلوماسي وعسكري مكثف باتجاه «الشرق الأوسط»، لإحياء عملية التسوية السلمية الميتة نتيجة الرفض الإسرائيلي لكل استحقاقات السلام، ولكل قرارات الشرعية الدولية ولمقررات المؤتمرات الدولية والمبادرات العربية، وضد تنفيذ التزاماتها في خطة خارطة الطريق الأميركية في عهد بوش، وضد الالتزام بالرؤية الأميركية للحل على أساس الدولتين، وبوقف الاستيطان والذي بلغ حد التحدي الصلف لإدارة أوباما!! بدأت هذه التصريحات الأميركية بعد المداولة بين واشنطن وتل أبيب، تؤكد على التحالف مع إسرائيل، وتعيد على مسامعنا ما تردده إسرائيل برغم استمرارها في التهويد والاستيطان والتهديد، وتحاول وضع العربات أمام الأحصنة، من دعوة العرب للتطبيع مع إسرائيل قبل السلام، وإبرام السلام فبل عودة الأرض والحقوق، ومباشرة السلام مع «إسرائيل اليهودية»، وإعلان العداء مع الفلسطينيين المقاومين والعرب الممانعين والإيرانيين المسلمين!!.
لقد خيبت التصريحات المختلفة لمسؤولين أميركان هذه الآمال، ولم نعد ندري أهي مسألة توزيع أدوار بين أوباما وأركان إدارته، أم مسألة نجاح للوبي الصهيوني، وفشل للتأثير العربي والإسلامي في توجيه السياسة الأميركية؟ حتى كاد الموقف الأميركي العام تجاه قضية فلسطين وقضايا العرب والمسلمين، ينزلق بما لا يختلف كثيرا في عهد أوباما عن عهد بوش، إلا في الأسلوب وليس في السياسة، حتى بدا الأمر كما لو كانت إدارة أوباما تمارس سياسة قديمة بخطاب جديد، أو تنفذ سياسة جديدة بطاقم قديم!!.\
"البيان"




















