نصير الأسعد
من نافل القول إنه كان لكل مكوّن من مكوّنات حركة 14 آذار منذ قيامها في العام 2005 "معنى" خاص أو "حيثيّة" خاصة أو "نكهة" بذاتها أو "خصوصية" معيّنة و"حساسية" ما، وإن مجموع المعاني والحيثيات والنكهات والخصوصيات والحساسيات شكّل على الدوام "قوام" الحركة الاستقلالية و"ميزتها" بل "فرادتها".
حركة 14 آذار والشراكة الإسلامية ـ المسيحية
ليس الوقت الآن للقيام بـ"جردة" لكل مكوّن ومزاياه. بيدَ أن ما لا بد من قوله – وتأكيده – في هذه الأيام، هو أن حركة 14 آذار التي "نشأت" في ذكرى مرور شهر على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 آذار 2005 وردّاً على "الثورة المضادّة" في 8 آذار من العام نفسه، والتي حقّقت إنجازات وطنية كبرى أهمّها نقل لبنان من زمن الوصاية السورية الى زمن الاستقلال – ولو لم يزل معطى غير ناجز بالكامل بعد – إنما كانت في معناها العميق إنطلاقة متجدّدة للشراكة الوطنية، الشراكة الإسلامية – المسيحية وتعبيراً عنها، بعد أن كان "همّ" الوصاية السورية "حجز" تلك الشراكة. ولو لم تكن حركة 14 آذار تجسيداً للشراكة الإسلامية – المسيحية لما تمكّن لبنان من العبور من مرحلة الى أخرى بلا "نزاعات دامية"، بل لتحوّل إستخدام القوة من جانب فريق سياسي – طائفي الى حرب أهلية "واسعة".
تراكم الديناميات بين الـ2000 والـ2005
بينَ العام 2000 والعام 2005، شهد لبنان ديناميات داخلية عديدة. من النداء الشهير لمجلس المطارنة الموارنة في أيلول 2000 الذي دعا الى "إعادة انتشار" الجيش السوري تمهيداً لإنسحابه، الى نشوء "لقاء قرنة شهوان" رسمياً في ربيع 2001 تحت مظلّة "النداء" والكنيسة، مروراً بخطاب رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط في مجلس النواب في خريف 2000 وصولاً الى المصالحة التاريخية في الجبل في 4 آب 2001 والتي رعاها جنبلاط جنباً الى جنب مع البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير.. الى "لقاء البريستول" في العام 2004 والذي توّج التواصل المتعدّد الأشكال على الخطّ بين بكركي – "قرنة شهوان" وبين وليد جنبلاط وبينهما وبين الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان يسير قدماً بإتجاه قيادة المعارضة اللبنانية للوصاية السورية، التي لم تنتهِ للأسف إلاّ "بـ" دمه و"على" دمه.
ووفقاً لهذَين المسار والمسيرة التاريخيَّين، فإن حركة 14 آذار كانت "التتويج التراكمي" لكل تلك الديناميات اللبنانية المشار إليها، والتي أعادت الإعتبار – أي الديناميات – في حينها لـ"الداخل اللبناني" ودوره. أي أن حركة 14 آذار التي "شُحنت" بدماء رفيق الحريري، إنما كانت التتويج لديناميات الشراكة الإسلامية – المسيحية.
وعليه، لا بد من الاعتراف بأن الشراكة الإسلامية – المسيحية التي "نهضت" بين الـ2000 والـ2004 تأكدت في الـ2005 وترسّخت منذ ذلك التاريخ. وعلى هذا الأساس، لا مفرّ من القول إن "أحد" معاني حركة 14 آذار هو أنها حركة الشراكة الإسلامية – المسيحية.
مبادرات 14 آذار نحو "الوضع الشيعي"
واستذكاراً للتاريخ وإنصافاً لحركة 14 آذار، يقتضي القول إن مكوّناتها جميعاً إستشعرت منذ وقت مبكّر الحاجة الى عدم إقتصار الشراكة الإسلامية – المسيحية على تشكّلها السنّي والدرزي من الضفة الإسلامية. ولذلك سعت حركة 14 آذار الى "توسيع" الشراكة باتجاه الطائفة الشيعية وتمثيلها السياسي. و"يجب" أن يُقال في هذا المجال إن مكوّنات حركة 14 آذار كانت تعي أن تشكّل الحركة الإستقلالية على نصاب ثلاث طوائف – المسيحيون والسنّة والدروز – لا يتيح لهذه الحركة قيادة البلد، وهي التي تعي أن البلد لا يُقاد بثنائيات أو ثلاثيات طائفية إنما بـ"عقد إجتماعي" شامل. وكانت تعي أنها إذ تؤسّس بتلاقيها لـ"مجيء" الجميع الى الوطن، إنما هي بحاجة الى "العودة" بالطائفة الشيعية – بتمثيلها السياسي – الى لبنان. وكانت تعي أنها، ولو إقتضى الأمر أن يتأخر إنجاز الإستقلال ودولته أو اقتضى أن "يتمرحل" الإنجاز، معنيّة بالوصول الى "تسويات" يمكن أن تتطوّر باستمرار. ولذلك، قامت حركة 14 آذار ومنذ العام 2005 بسلسلة مبادرات باتجاه "الوضع الشيعي".
مقولة الفتنة السنّية ـ الشيعية
الآن، وفي ضوء تجارب البلد خلال الأعوام الأربعة الماضية، خصوصاً تجربة أيار 2008، ثمة من يبدو مقتنعاً بأن الخطر الذي يواجهه لبنان حالياً وفي مستقبل غير بعيد، بالصلة مع تطوّرات إقليمية ودولية معيّنة، هو خطر الفتنة السنّية – الشيعية.. على "موضة" المرحلة في العديد من البلدان العربية والإسلامية.
ليس في وسع أحد أن ينكر أن خطر الفتنة السنّية – الشيعية قائم. ولا أحد ينكر أن صون السلم الأهلي أولوية في كل الأوقات.
لماذا "إقصاء" المسيحيين؟
لكن الأسئلة التي تُطرح في هذه الأيام وبقوة هي الآتية: إذا كانت أمور العلاقة السنّية – الشيعية بحاجة الى نقاش ومتابعة ومعالجة، هل تشكّل الشراكة الإسلامية – المسيحية داخل حركة 14 آذار عقبة أمام النقاش والمتابعة والمعالجة؟ هل يكون التعاطي مع هذا العنوان مبرراً لإسقاط تلك الشراكة أو الإنقلاب عليها أو حتى وضع "المصالحة" السنّية – الشيعية في وجه المصالحة الإسلامية – المسيحية؟ هل من مبرّر لإعتبار المسيحيين، مسيحيي 14 آذار، "عاملاً" من عوامل التوتّر السنّي – الشيعي واستبعادهم تالياً عن مصالحة يجب أن تكون شاملة.. وفي إطار الدولة؟.. ثم هل تكون معالجة فتنة سنّية – شيعية "محتملة" بـ"الاستسلام" لطروحات فريق سياسي وبـ"لا توازن" بالمرّة؟..
خلاصةُ القول إن المبرّرات التاريخية لإستمرار حركة 14 آذار قائمة، بل الأصحّ القول إن حركة 14 آذار مستمرّة "طالما" أن الشراكة الإسلامية – المسيحية قائمة و"بما" أنها قائمة.
"المستقبل"




















