" إن عملية الإصلاح الاقتصادي والإداري تقتضي تفعيل دور القضاء والجهات الرقابية". هذا ما قاله السيد رئيس مجلس الوزراء المهندس محمد ناجي عطري مؤخراً في الاجتماع الذي ترأسه في مقر الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش يوم الأحد 5/7/2009 وقد جاء هذا الكلام لا ليؤكد صحة ما كتبناه وكتبه غيرنا عن إصلاح القضاء وتفعيل الدور الرقابي وحسب، بل جاء بمثابة اعتراف رسمي بأن القضاء والجهات الرقابية لا يقومان بالدور المطلوب منهما، أو على الأقل لا يستطيعان ممارسة دورهما كما يجب، وإن المطلوب هو تفعيل دورهما لإنجاح عملية الإصلاح الاقتصادي والإداري . ونسأل من هي الجهة التي ستقوم بتفعيل دور القضاء والرقابة؟ وكيف سيتم تفعيل دوره ؟
فإذا كان السيد رئيس مجلس الوزراء يطالب "بتفعيل الجهات الرقابية"، وإذا كنّا مع الكثير من المواطنين قد طالبنا ومازلنا نطالب بتعزيز الدور الرقابي واستقلاله كلياً عن السلطة التنفيذية.. ولا أبالغ القول أن الشعب كلّه باستثناء الفاسدين طبعاً يطالب بذلك أيضاً ؟ إذاً من يمنع الجهاز الرقابي من أداء دوره، إذا كنا جميعنا مجمعين على تفعيل دوره؟ هل هناك أشخاص أو جهات لا نعرفها هي التي تمنع الرقابة من ممارسة دورهما بفاعلية..؟.
إن مطلب تفعيل دور الجهات الرقابية وتعزيز استقلالها وفي المقدمة منها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش هو مطلب كنّا ومازلنا نسمعه يتردد على ألسنة المواطنين و المسؤولين أيضاً منذ أكثر من عشر سنوات، والمواطن مازال يسأل عن الإجراءات التي قامت بها الحكومات المتعاقبة ومنها حكومة المهندس العطري في توفير وتهيئة الجو المناسب والمستقل لعمل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، هذه الهيئة التي تحولت برأي الكثير من الناس إلى عامل كبح لروح المبادرة وقتل الإبداع عند الناس، فلا يكاد يفلت منها إلا ذوي النفوذ، ودفع العاملين في القطاع العام إلى التهرب من تحمّل أي مسؤولية ، ويرى كثيرون أن السبب في ذلك هو اعتماد الهيئة المذكورة في تحقيقاتها وتقاريرها على الظن والشبهة والتخمين، حتى أصبحت الهيئة المذكورة بحاجة إلى هيئة تراقب عملها، وطالب كثيرون بفصلها عن مجلس الوزراء وجعلها هيئة مستقلة تماماُ أو على الأقل ربطها بمجلس الشعب. فيما أكد آخرون أن الأسباب التي دعت الحكومة إلى إلغاء محاكم الأمن الاقتصادي والإبقاء على قانون العقوبات الاقتصادي مردها إلى العسف والظلم الذي مارسه رؤساء تلك المحاكم وقضاة التحقيق الذين كانوا يأخذون بتقارير الهيئة دون أي تمحيص أو تدقيق، ويستغرب هؤلاء أن يتم اليوم إعادة تعيين البعض منهم في وزارة العدل والهيئة المركزية.
هذا الكلام ليس اتهاماً، ولم يصدر عن مواطنين عاديين، بل صدر عن أعضاء في مجلس الشعب، ولم يصدر الآن، بل صدر منذ ثلاث سنوات ونيف، ولا أعتقد أن السيد رئيس مجلس الوزراء أو مكتبه الصحفي لم يسمعوا أو يقرؤوا ذلك الكلام الصادر عن أعضاء في مجلس الشعب بحق الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ، لاسيما وأن صحيفة الثورة الرسمية كانت قد نشرت ذلك الكلام في الخبر المنشور في عددها الصادر بتاريخ 27/2/2006 ..! وبدورنا نعيد التذكير بأهم ماورد في ذلك الخبر.
فتحت عنوان : "الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش من وجهة نظر السلطة التشريعية…لم تتلمس آلية عملها.. واتجهت لتكون قاضيا"..!! كتبت الصحفية السيدة سوسن خليفة في صحيفة الثورة بعد لقائها بعدد من أعضاء مجلس الشعب : "كُثر الحديث في الآونة الأخيرة عن عمل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ولا سيما أن لديها كثيراً من القرارات التي اتخذتها ولم تنفذ، إضافة إلى بعض القرارات غير الدقيقة التي خسر أصحابها عملهم ومن ثم أظهر القضاء براءتهم. وأضافت السيدة سوسن:"وخلال لقاءاتنا مع أعضاء مجلس الشعب اختصر لنا بعضهم ما يريد أن يقوله بكلمتين الهيئة بحاجة إلى هيئة, وهناك من قال قرارات القضاء أكثرها يبنى على اقتراحات التفتيش التي تنطلق من مزاجية مفتش لم يلق الاستقطاب والترحاب من المفتش عليه. بينما ذهب البعض إلى القول يجب دمج هذه الهيئة مع الجهاز المركزي للرقابة المالية لأنهما وجهان لعملة واحدة، وهناك من طالب بتبعية الهيئة للسلطة التشريعية التي من مهامها الرقابة".
وسأكتفي في هذه العجالة باستعراض أهم ما جاء على لسان السادة أعضاء مجلس الشعب الذين التقت بهم الصحفية سوسن خليفة، فالعضو السيد محمد الأسعد قال بخصوص الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش : " بأنها من الأسباب الرئيسية التي أثرت سلباً في مسيرة القطاع العام ويتمثل ذلك في تدخل هذه الهيئة بأعماله بصورة هي أقرب للعمل الذي يشيع الخوف ويقتل الابداع وتهرب العاملين في القطاع العام من تحمل أي مسؤولية لا سيما أن الهيئة تعتمد في تحقيقاتها وتقاريرها على الظن والشبهة والتخمين".ويضيف السيد محمد الأسعد قائلاً:" وحسناً فعل المشرع عندما ألغى اختصاص محاكم الأمن الاقتصادي التي كانت تأخذ بمضمون تقارير الهيئة دون القيام بالتدقيق الموضوعي في هذه التقارير, الأمر الذي ينافي أبسط قواعد العدالة بحسبان أن التقارير تتضمن أصلاً عقوبات اجرائية ولا سيما كف اليد والمصادرة. وتطبق فوراً, وكثيراً ما يأتي في النهاية وبعد مضي فترة طويلة على التوقيف قرار البراءة فمن يجبر ضرر الموقوف ويعيد له ولأسرته الكرامة ويؤمن له موقعه الوظيفي الذي كان يشغله?!
أما العضو السيد زياد بعاج فقد قال: " فالمتهم الذي تحال قضيته إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش يشعر كأنه قد جاءه الفرج والسبب أنه من الممكن أن تنام هذه القضية في الأدراج سنوات طويلة. ويضيف السيد بعاج أنه لدى الهيئة كثير من القضايا الأساسية المهمة من حيث الرشوة والفساد وسوء استعمال السلطة موجود ولكنها لم تأخذ طريقها إلى القضاء حتى تاريخه لماذا..?! مع العلم أنه من الممكن سحب هذه الأضابير بشكل كامل. ويضيف السيد بعاج" أن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بوضعها الحالي أصبحت بحاجة إلى رقابة نتيجة الممارسات الخاطئة وبرأيي أن تتبع الهيئة المركزية إلى السلطة التشريعية لتكون هناك رقابة ومتابعة.
أما العضو السيد جاد الله قدورفقد قال : ( هذه الهيئة قتلت روح المبادرة والإبداع وتقف عثرة في مسيرة التطوير والتحديث وعثرة في طريق الانفتاح الاقتصادي والهيئة في عملها تعتمد التصيد, بينما عملها الأساسي الوقاية ومنع الوقوع في الخطأ. وإن معظم موظفي الهيئة هم مساعدون فنيون ومهندسون وبعض الشهادات البعيدة عن العمل القانوني وتفتقر إلى الخبرات والكفاءات ولا رقيب على هذه الجهة).
بينما رأى العضو السيد مصطفى عويد : ( أن قوة هذه الهيئة تأتي من قوة المفتش ذاته الذي (يسمح أو لا يسمح) لا أحد أن يتدخل بعمله, وإن قانون الهيئة يحميه من أي تدخل بعمله أو الضغط عليه.وإنني لست مع مقترح إتباع الهيئة إلى مجلس الشعب) لأنها كما سبق ذكره هي جهاز إداري يراقب أداء الحكومة وأجهزتها وتصرفات موظفيها وهذا موقعها الطبيعي.واقترحَ إتباع هذه الهيئة برئيس الجمهورية بدلاً من رئيس الحكومة لإعطائها كل الدعم المعنوي. وإلغاء صلاحية الهيئة بإصدار قرارات كف اليد كون هذا الإجراء خطيراً ونتائجه خطرة على شخص الموظف المكفوفة يده وعلى أسرته في حال تبين للقضاء أنه بريء وأن نترك قرارات كف اليد للقضاء وبالقرار النهائي المبرم. وإلغاء صلاحية مفتشي الهيئة بإصدار مذكرات الإحضار كون هذه المذكرة وفي جميع دول العالم تصدر عن القاضي المختص كونها تتضمن حجز حرية, وأن منح هذه الصلاحية لغير أشخاص القضاة يشكل خرقاً لمبدأ فصل السلطات. وتحديد مدة 6 أشهر حداً أقصى لبقاء أي ملف ومن ثم إحالته إلى القضاء, ومبرر هذا المقترح وضع حد معين لكل تحقيق يقوم به مفتشو الهيئة وكي لا يبقى الأمر إلى مالا نهاية..!! ويختم السيد عويد مقترحاته بدعم الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ومفتشيها إلى أقصى حد بحيث يخصص لكل مفتش سيارة ومنحهم علاوات مالية عن كل ملف ينج)ز.
أما العضو السيد زهير غنوم : ( يرى أن الصواب أن تتبع هذه الهيئة للسلطة التشريعية حيث إن هذه السلطة هي الكفيلة بالرقابة, بل بمراقبة تنفيذ أعمال السلطة التنفيذية أما أن تكون هذه الهيئة بإمرة السلطة التنفيذية فهذا خطأ كبير. ويضيف قائلاً :" إن هذه الهيئة بآليتها الخاطئة سيف مسلط على الرقاب وخوف ورعب لمن يريد العمل بشرف وإخلاص وإيقاف للقرار الذي نحتاج إليه في مرافقنا ووزاراتنا حيث إن الرقابة دائماً متهمة للناس إلا إذا كان لها مصلحة في بعضهم". ثم يضيف : "وقد أصبحت هذه الهيئة مشاركة في الفساد فترى موظفاً في مكان ما له عشرات السنين وقد تدبر مع بعض هؤلاء من الهيئة وأنا أرى أن تنتقل عائدية هذه الهيئة للسلطة التشريعية وبهذا الشكل نكون قد خطونا خطوة كبيرة باتجاه قمع الفساد المتشارك عليه.ويختم السيد غنوم قائلاً: " ولا يمكن أن يتم تطوير وتحديث أعمال السلطة التنفيذية وخاصة المنشآت الإنتاجية إلا إذا أوقفت هذه الهيئة عن أعمالها أو أتبعت للسلطة التشريعية وإن كثيراً من أعضاء هذه الهيئة يرون أنفسهم فوق التشريع".
ونختم الحديث بإعادة بتذكير الحكومة بأنه لدينا قانون للكسب غير المشروع رقم 64 تاريخ 15/6/ 1958 الذي نص في المادة الأولى منه:"على كل موظف عام وكل عضو في أحد المجالس النيابية التشريعية أو في المجالس الممثلة للوحدات الإقليمية ، وعلى العموم كل مكلف بخدمة عامة أو له صفة نيابية عامة دائمة أو مؤقتة بأجر أو بغير أجر أن يقدم خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تعيينه أو انتخابه، وكذلك خلال 60 يوماً من تاريخ ترك الوظيفة أو الخدمة أو زوال الصفة النيابية إقراراً عن ذمته المالية وذمة زوجه وأولاده القصر في هذا التاريخ يتضمن بيان ماله من أموال ثابتة أو منقولة وعلى الأخص الأسهم والسندات والحصص في الشركات وعقود التأمين والنقود والحلي والمعادن والأحجار الثمينة وماله من استحقاق في الوقف وما عليه من التزامات. وفي كل الأحوال يجب أن يتضمن الإقرار بيان مصدر الثروة أو الزيادة فيها على حسب الأحوال"
فهل يبقى هذا القانون مجمداً طي النسيان.؟ ألم يحن الوقت لإخراجه من تلك الأدراج، ونفض الغبار عنه وتفعليه وفرض الالتزام بأحكامه على جميع الموظفين المسؤولين في الدولة، كذلك الأعضاء المنتخبين لمجلس الشعب ومجالس المدن والبلدات والمحافظات ولمختلف الهيئات النقابية والتعليمية،. ربما نستطيع الحد من حالة الفساد المستشرية كالوباء، ووقف هذا النـزيف المستمر للمال العام إلى جيوب البعض.
وأخيراً نؤكد إن تفعيل دور الجهات الرقابية وعملها لا يمكن أن يأتي من خلال التصريحات والاجتماعات والتعاميم والأوامر الإدارية، بل من خلال توفير بيئة قانونية جيدة وكادر بشري مدرّب ونزيه ومستقل وحيادي، وبنية تحتية ملائمة من أبنية وتجهيزات ..الخ.




















