إن كان الباحثون يجمعون على أن مفهوم الحكامة (بالفرنسية gouvernance) ولفظها لم يظهرا قبل عام 1980، فإننا نستطيع أن نرد أصوله الفلسفية إلى ما قبل ذلك التاريخ وبالضبط إلى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر وتصوره لعالم تسوده عقلنة الحقوق بدل شطط السلطة، وإقامته لـ «عقلنة التنظيمات» مقابل الخضوع التراتبي.
وعلى رغم ذلك فإن المفهوم لم يجد أسسه الفلسفية الصلبة إلا عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو خلال السبعينات من القرن الماضي، حيث بين أن السلطة ليست رأس هرم، وأنها لا تدرك عمودياً كـ «درجات»، وإنما أفقياً كـ «شبكات».
يتعلق الأمر إذاً بتحديد ممارسة السلطة، ليس بالنظر فحسب إلى الجهاز الحكومي التنفيذي، وإنما بأخذ الرأي العام والجمعيات والمجتمع المدني في الاعتبار. وبهذا يغدو الجهاز التنفيذي التقليدي مجرد طرف يدخل ضمن منظومة أكثر اتساعاً. والأهم من ذلك أن أي طرف من أطراف المنظومة، وأي فاعل من العناصر الفاعلة لا يتمتع بما من شأنه أن يخوله لوحده القدرة على مواجهة المشاكل. بل إن مفهوم السياسة ذاته سيلحقه التغير ليغدو تدبيراً لتفاوضات معقدة.
ينقلنا مفهوم الحكامة إذاً من نظام تراتبي إلى نظام شراكة يحكمه التعاقد، من نظام توجيهي إلى نظام تفاوضات وتوازنات، من نظام متمركز إلى نظام غير متمركز. انه ينقلنا من مجتمع له رأس وأطراف، إلى مجتمع يتكون من عناصر فاعلة عدة ومتفاعلة فيما بينها، ينقلنا من منظومة تراتبية « تُسيَّر» من أعلى، إلى منظومة «تَسِير» بفعل «التقويمات» المسترسلة، والتفاوض والتوافق المستمر بين الشركاء.
فهل بإمكان المفهوم، والحالة هذه، أن يجد طريقه إلى تحليلاتنا ولغتنا؟
* كاتب وجامعي مغربي.




















