المستقبل –
بعد إخفاق البرلمان المولدافي المنتخب في 5/4/2009 في انتخاب رئيس للبلاد, بات لزاما وفقا للدستور, حل البرلمان واجراء انتخابات نيابية مبكرة تم اجراؤها في 29/7/2009. الجدير ذكره ان الانتخابات الماضية اعقبتها اعمال عنف بسبب التظاهرات التي قادتها المعارضة الديمقراطية احتجاجا على نتائج الانتخابات, التي اعتبرتها مزورة ولا تعكس الارادة الشعبية. الامر الذي وضع البلاد حينها على حافة الحرب الاهلية, او الانجراف مع تيار الثورات الملونة التي اجتاحت العديد من الدول التي نشأت على انقاض الاتحاد السوفياتي السابق. الا ان الحزب الشيوعي الحاكم بقيادة الرئيس الحالي فلاديمير فارونين, المنتهية ولايته, تمكن من فرض النظام وانتزع المبادرة من يد المعارضة, التي اتهمت بالحصول على الدعم والتشجيع من الخارج, لا سيما من رومانيا, التي لم تخفي رغبتها في ضم مولدافيا اليها.
من وجهة النظر الدستورية, ادت الانتخابات الماضية الى فوز الحزب الشيوعي الحاكم بأغلبية 60 مقعدا من اصل 101 مقعد. وفقا للدستور المولدافي فإن حصول الحزب الشيوعي على أغلبية الستين صوتاً تؤهله لانتخاب رئيس للبرلمان, ولتأليف الحكومة فقط. اما انتخاب رئيس الجمهورية فانه يتطلب الحصول على اغلبية 61 صوتا. وبناء للالية الدستورية المتبعة, فإن الحزب الشيوعي فشل وعلى دورتين في انتزاع صوت واحد من اصوات المعارضة للحصول على الاغلبية الدستورية المطلوبة لفوز مرشحه. هذا الفشل ان دل على شيء فإنه يدل على تماسك المعارضة وثباتها على موقفها, وعزمها على تحقيق اهدافها من خلال المؤسسات الدستورية, بعد إخفاقها في تحقيق ذلك من خلال الشارع.
أظهرت نتائج الانتخابات الاخيرة تقدم احزاب المعارضة الاربعة وفوزها باغلبية 53 مقعدا, على حساب الحزب الشيوعي الذي تراجع عدد نوابه الى 48. بهذا الصدد يرى المراقبون ان تراجع اسهم الحزب الشيوعي في البورصة الانتخابية في مولدافيا مرتبط بتضعضع صفوفه, بعد انشقاق احد ابرز قادته (ماريان لوبو) رئيس البرلمان السابق, اكثر منه بارتفاع شعبية الاحزاب الديمقراطية. وهذا ما يدل عليه عدد المقاعد النيابية الـ12 التي حصل عليها حزب لوبو. خاصة وان انسحابه من صفوف الحزب الشيوعي وتحوله الى حزب مولدافيا الديمقراطي ليس لأسباب عقائدية او لاعتراضه على مواقف وسياسات الحزب, بل ناجم عن أسباب شخصية تتعلق برفض الحزب تبني ترشيحه لرئاسة الجمهورية بعد انتخابات الربيع الماضي.
كذلك كرست الانتخابات الانقسام في أوساط المجتمع المولدافي, ووضعت المؤسسات السياسية فيه من جديد امام مأزق إعادة تشكيل السلطة. فبناء على الخارطة الجديدة لتوزيع القوى السياسية, فإن أياً من الفريقين غير قادر بمفرده على استلام السلطة. ففي الظل الدستور المعمول به حاليا فإن أغلبية 53 مقعداً تتيح لتكتل الأحزاب الديمقراطية بانتخاب رئيس للبرلمان وتأليف حكومة بفضل امتلاكها الـ52 صوتا المطلوبة لذلك. الا انها لا تمكنها من انتخاب رئيس للجمهورية, الموقع الأبرز في السلطة, تماما كما حصل مع الحزب الشيوعي بعد الانتخابات الماضية. الامر الذي يفرض على الطرفين التنازل لمصلحة تأليف تكتل يتمتع بأغلبية دستورية قادرة على تسلم السلطة, وفاعلة في مواجهة ألازمات التي تعترض مولدافيا وأهمها الفقر والازمة الاقتصادية, الحفاظ على وحدة وسيادة مولدافيا, العلاقة مع رابطة الدول المستقلة وروسيا, والدفع قدما باتجاه أوربة المجتمع المولدافي.
في هذا الإطار, وفي ظل حالة الترقب الراهنة لما ستؤول اليه المفاوضات الجارية بين الأحزاب الديمقراطية من اجل تشكيل ائتلاف موحد . ينظر المراقبون باهتمام الى موقف الحزب الشيوعي من عملية التحالف مع تكتل الأحزاب الديمقراطية او مع جزء منها. فبالرغم من تراجعه فإنه يبقى القوة الأبرز على الساحة السياسية, ومن دونه لا يمكن انتخاب رئيس للجمهورية, والخروج بالتالي من مأزق تكوين السلطة. ويراهنون على ان الحزب الشيوعي الذي رفض في الماضي تقاسم السلطة مع أي من أحزاب المعارضة الديمقراطية, ان يتراجع عن موقفه, ويقبل بالتحالف لتقاسم السلطة, بدلا من إضاعتها بشكل كامل. فانطلاقا من الدستور فانه لا يجوز حل البرلمان أكثر من مرة واحدة خلال العام, ما يعني ان عدم التوافق وانتخاب رئيس للجمهورية يؤدي الى خسارة الحزب لكل مصادر القوة التي بين يديه. فالدستور ينص على انه في حال تعذر انتخاب رئيس للبلاد بعد الانتخابات المبكرة, فإن سلطاته تؤول الى رئيس البرلمان. ما يعني ان الحزب الشيوعي ان قرر عدم التحالف فانه يخاطر في خوض انتخابات نيابية مبكرة في العام القادم وهو خارج السلطة, وما يعنيه ذلك من خسارة لمصادر القوة والتأثير على الناخبين.
في المقابل، لا يستبعد المراقبون لجوء الأحزاب الديمقراطية التي لم تكتفي بالفوز المحدود بالانتخابات, وخاصة بعد إجهاض جهودها في الشارع, الى جر البلاد الى حال من الفوضى, وذلك من خلال رفضها تقاسم السلطة مع الحزب الشيوعي, حيث يمكنها بفضل الدعم الأوروبي والأميركي من قلب الأوضاع, وطرد الشيوعيين من السلطة نهائياً والسيطرة على السلطة كاملة وفرض ثورتها البرتقالية على مولدافيا.




















