اللقاء الاول الذي جمع الرئيس باراك اوباما بالواقع في الشرق الاوسط انتهى بخيبة امل كبيرة. فمبادرته لإحياء عملية السلام، التي ترمي لاقتراح الامل المنعش لشعوب المنطقة بعد الجمود السياسي والحرب على الإرهاب التي أعلنها جورج بوش، اصطدمت بسور من الرفض والعناد. بدلا من ان تُستقبل اقتراحات اوباما بصيحات الفرح، أُجيبت بثلاث لاءات: اسرائيل لن تجمد المستوطنات، الفلسطينيون لن يستأنفوا المفاوضات والدول العربية ستمتنع عن القيام بخطوات تطبيع مع اسرائيل.
الضربة النهائية التي تلقتها مبادرة أوباما جاءت من وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ، الذي أعلن في الاسبوع الماضي من واشنطن: لتنسحب اسرائيل اولا من كل المناطق ولتُقم الدولة الفلسطينية، وحينها سنتحدث عن التطبيع. بكلمات اخرى لا تربكوا السعوديين الان باقتراحات لعقد لقاءات مع اسرائيليين وفتح السماء امام طائرات العال. اتصلوا بهم بعد ان تُخرجوا الاسرائيليين من المناطق المحتلة.
اللاءات الثلاث اظهرت اوباما في موقف الضعيف. الاستخفاف به لا يقتصر على الايرانيين والكوريين الشماليين وحدهم حتى حلفاء الولايات المتحدة، الذين يعتمدون على سخائها، يسمحون لانفسهم برفض طلب الرئيس. بنيامين نتنياهو ومحمود عباس بالغا في ذلك وقيدا نفسيهما بجملة من الشروط والخطوط الحمراء. من الواضح ان الاطراف لا تريد استئناف المفاوضات ،التي لن تعطيهم اي شيء حسب اعتقادهم. ليس عليهم ايضا ضغط داخلي للعودة الى طاولة المحادثات: الاسرائيليون والفلسطينيون شبعوا من الامال الوهمية.
الفشل الديبلوماسي دفع مبعوث اوباما جورج ميتشل لاجراء مقابلة مع صحيفة "النيويورك تايمز" في محاولة لانقاذ هيبته. في المقابلة كشف ميتشل أن السعوديين اكثر انفتاحا ومرونة في الغرف المغلقة، والتصريحات المتشددة لوزير الخارجية السعودي امام عدسات التصوير لا تشبه ما يقال من وراء الابواب. انتظروا تروا.
هذه نصيحة للمبعوث المحترم: ربما ثمة أهمية في أروقة مجلس الشيوخ او في ايرلندا الشمالية، لما يقوله الناس في الغرف المغلقة. لكن ما يحدد مصير الأمور هنا في الشرق الاوسط، هو ما يقال من فوق المنابر وصورة علانية. الشيء الوحيد الذي يكون الزعماء على استعداد للدفاع عنه علانية امام ابناء شعبهم وخصومهم، هو وحده الذي يلزمهم. اما المحادثات التي تجري خارج السجل الرسمي فتهدف الى نيل الاعجاب وبعث الثقة، ولكن ليس لها أي مغزى عملي. عندما تكون عدسات التصوير مطفأة، يرغب الجميع في السلام ويبدون استعدادا لتقديم تنازلات من دون نهاية، ولكن عندما تشتعل الاضواء تظهر من جديد المواقف القديمة المتصلبة.
ما العمل؟ اوباما متعطش لانجاز في سياسته الخارجية ولا يوجد احتمال لأن ينثني الان. كبار موظفي الادارة الاميركية، مثل مستشار الامن القومي جيمس جونز، يقولون له بأن تسوية اسرائيلية – فلسطينية ستكون المفتاح لنجاحه ايضا في اماكن مثل افغانستان والعراق. في الشرق الاوسط ينتظرون طرح "خطة اوباما" في الشهر القادم. نتنياهو يقترح عليه بأن يتخلى عن الاحلام حول التسوية الدائمة وان يكتفي بـ "السلام الاقتصادي" مع نمو معتدل في المستوطنات. السعوديون يؤيدون طرح خطة مفصلة للتسوية. الاوروبيون يريدون بأن يوجه أوباما انذارا للجانبين إما أن تتوصلوا الى الاتفاق خلال وقت محدد ، وإلا فستقبلون بتسوية مفروضة.
تعتزم الادارة استئناف المفاوضات وتحديد موعد محدد ومنح نتنياهو وعباس مرافقة ملاصقة من قبل ميتشل. بوش ارسل الطرفين للتفاوض بانفسهما وافادته بالنتائج، أما اوباما فسيعين لهم حاضنة أطفال. السؤال المطروح هو ما هو التفويض الذي سيمنح للوسيط. ففي البيت الابيض يرددون حول ما إذا كان يتعين على الرئيس ان يطرح مبادئ التسوية، وعلى رأسها المطالبة بانسحاب اسرائيل حتى خطوط حزيران 67. نتنياهو يأمل ويعتقد ان أوباما سيكتفي بتعليمات اجرائية.
ولكن حتى لو طرح الرئيس مبادئ مفصلة لاتفاق دائم، فهذا بحد ذاته لن يكفي لحل الصراع. الأمر الأكثر أهمية هو اقناع اوباما الجمهور المرتاب في الجانبين بان السلام ممكن وانه في حال تحقق سيتحسن وضعهم. والامر الذي لا يقل اهمية هو أن تُرفق مواقفه بـ" عصيّ وجزر" وبالاستعداد للمواجهة ودفع الثمن السياسي. فالكلمات الجميلة لن تكون كافية. عليه ايجاد حلول لمشاكل مثل "ماذا نفعل مع غزة"، وكيف يمكن تليين الشدخ الداخلي المتوقع في اسرائيل إذا تم اخلاء المستوطنات. وفوق كل ذلك، عليه اظهار التزام كلي بالمهمة. اذا أظهر الشكوك، وإذا تملكه اليأس مقابل الرفض والعناد، فستُجمل رئاسته بفصل جديد من المسلسل الطويل "السلام الذي فُوِّت".
("هآرتس" 5ـ8ـ2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















