وسام سعادة
لم ينفِ المشروع الإستقلاليّ لثورة الأرز يوماً نزوعه إلى "تحييد لبنان". تحييد عمّا يضرّه وجذبه إلى ما يعود عليه بالمنفعة. تجنيبه ما يضعفه وحثّه على إستجماع أسباب القوة. درء انزلاقه في أي معركة في غير زمانها ومكانها ومن دون برنامج واضح أو شعار، والتأهّب دوماً للدفاع المستميت عن سلامة ترابه وسلامة أبنائه وأرزاقهم.
منذ أربع سنوات ومشروع ثورة الأرز لـ"تحييد لبنان" عن "الحمولات الزائدة" في النزاعات الأقليميّة آخذ في التبلور والنضوج، مبنى ومعنى. ومع كل عتبة، يتواجه مشروع التحييد مع "الممانعة". والممانعة سواء التحق بها الناس "طوعاً" أو "قسراً" تبخس هذا الحياد حقّه، وتتعامل معه على أنّه إرتياب في الوطنيّة أو في العروبة، في حين أنّه من أبسط شروط الوطنيّة أن يسعى المرء إلى إبعاد الأخطار عن بلده، وتقليل الخسائر متى وقعت الواقعة، والسعي للخروج من الظلمة عند أوّل بارقة تلوح.
و"الممانعة" في الحقيقة هي "الإنعزال" بعينه: عزل للبنان عن المجتمع الدوليّ، عزل له عن النظام الرسميّ العربيّ، عزل له عن التوسّع الديموقراطيّ بإتجاه الشرق.
أما التحييد فهو بمثابة تمكين لبنان من قياس درجة إنخراطه أو عدم إنخراطه في هذه المعركة أو تلك تبعاً لمصلحته كدولة، كما أنّه ترشيد لفعل الإنتماء إلى أسرة الدول العربيّة العاملة على تحسين شروط الهزيمة القوميّة والحضاريّة أمام العدوّ الصهيونيّ ـ التاريخيّ للأمّة الجامعة.
والتحييد هو تيسير لفكرة الإنفتاح على المجتمع الدوليّ وأطره ومؤسساته ومقرّراته، وعلى "الغرب" سواء بمعناه الإستراتيجيّ أو بمعناه الحضاريّ. أنى للتحييد بعد كلّ هذا أن يكون تقوقعاً وإنعزالاً؟
التحييد، بل الحياد اللبنانيّ، ليس حياداً عن الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ بحدّ ذاته، بل إنه جزء من استراتيجية الإعتدال العربيّ، بل جزء من إنتاج استراتيجية حقيقية للإعتدال العربيّ، يمكن على أساسها خوض الصراع من أجل السلام على قاعدة المبادرة العربية، وفي مرحلة ما بعد الحروب النظاميّة، وفي مرحلة ما بعد اصطدام حركات المقاومة التالية على الحروب النظاميّة بالحائط، وفي مرحلة ما بعد افتضاح المصادرة الإيرانيّة لصراعنا القوميّ.
لا يعني ذلك أن "التحييديين" متفقون مع "الممانعين" على الهدف ومختلفون معهم في الأسلوب. الإختلاف جذريّ للغاية بين طرف يرى إلى المنطقة من زاوية ضرورة "التسوية" لأجل تمكين المنطقة العربيّة من إلتقاط الأنفاس والإفلات من عملية التفتت والتخلّع والخمول، وبين من يرى إلى المنطقة من زاوية ضرورة مقاومة "التسوية"، وإعطاء الأولوية لمقاومة "التسوية" على مقاومة العدوّ نفسه. هؤلاء يعتبرون أنّ مقاومة التسوية تمنح من يقوم بها الحيويّة الحضاريّة الخصبة للنهوض. وهذه هي نقطة الإفتراق الأساسية عنهم من جانب "التحييديين ـ التسوويين".
طبعاً، تبقى المشكلة دائماً أنّ ما بين "التحييديين ـ التسوويين" و"الممانعين ـ اللاتسويين"، تقف سوريا والسياسة السوريّة. وهذه السياسة إذ تصرّح عن نفسها تقول بأنّها "تفاوضية" و"تسووية" لكنها عمليّاً "تحييدية" لسوريا نفسها وعاملة على تحميل "الساحات" الأخرى، الفلسطينية أو اللبنانية، ما طاب من حمولات زائدة لأي سبب كان. الإفتراض أساسيّ هنا أيضاً بين العقيدة النصف مجاهر بها عن "تحييد لبنان" وبين العقيدة الضمنية القائمة على "تحييد سوريا" نفسها وتصدير التوتر إلى محيطها. فـ"التحييد اللبنانيّ" يتصوّر أنّ المصلحة الشاملة لشعوب المنطقة تكون في التبلور الوطنيّ لقضاياها، فيكون "القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ" هو اللبنة الأساس في حماية المشروع الفلسطينيّ وفي السير به نحو الدولة المستقلة، وعلى منواله يكون أيضاً لبنان أولاً في لبنان، وطبعاً سوريا أولاً في سوريا.. لا في غيرها.
والحاجة اليوم، بعد أربع سنوات على انطلاقة مشروع "ثورة الأرز" لتحييد لبنان، وبعد ثلاث سنوات على القرار 1701 الذي خرّج هذا التحييد، إلى ما يشبه "تدوين" هذين الإفتراقين: الإفتراق عن أعداء التحييد الذين يرفضون التسوية، كما الإفتراق عمّن يبيح التحييد لنفسه ويحرّمه على كلّ من سواه.
وفي الحقيقة فإن جزءاً أساسياً من أزمة الحركة الإستقلالية أنّها لم تدوّن بعد عنواني الإفتراق عن أعداء "التحييد"، ولم تتبن تحييد لبنان كمعيار للوطنيّة والعروبة..
وإذا كان مثل هذا الحديث نظرياً في لباسه، فإنّه يفتح على أبعاد عمليّة وسط كل ما يتنامى عن إحتمالات عدوانيّة إسرائيليّة وعن إنتظارات أو "إستباقات ممانِعة" لهذه الإحتمالات. وإذا كان البعض يتصوّر، في دخيلته، أنّه من المبكر طرح موضوع "التحييد" قبل أن تأخذ كل هذه الإحتمالات مداها الواقعيّ، وتحلّ الواقعة ويحكم على أساسها، وحينها قد يكون "التحييد" حتمياً وميّسراً، فإن المبدئيّة، وهي في السياسة مسألة غير ثانوية، وإن لم تكن ثابتة، تفرض إلتقاط الحركة الإستقلاليّة لمفردة "التحييد"، وصياغتها قالباً برنامجياً، وردّ المطاعن عنها، لأنّ الحركة الإستقلاليّة إن لم تكن لتحييد لبنان عن "الحمولات الزائدة" والأخطار والمكائد والكوارث فلم يكن الإستقلال من أصل؟




















