عندما نشرت "المستقبل" وثائق تثُبت العلاقة الوجودية التي تربط تنظيم "فتح الإسلام" بالمخابرات السورية، بدا النظام السوري وحلفاؤه وأدواته في لبنان، أشبه بالنعامة، وبعضهم، كما هي عليه حال العماد ميشال عون، توقف الزمن فيهم عند نقطة فيلم "الاعترافات" الذي انفضحت، بالدليل القاطع، أضاليله وفبركاته.
إلا أن المخابرات السورية، نظمت حركة التفافية على وثائق "المستقبل"، فأعادت إحياء مقولة إنتاجية فيلم "اعترافات"، وبدأت هجوماً على المملكة العربية السعودية وعلى رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري وعلى قيادة قوى الأمن الداخلي وعلى مجموعة من السياسيين والصحافيين.
فهل من شأن هذه الحركة الالتفافية أن تُلهي الرأي العام عن الحقائق وتُعيده مجدداً الى بؤرة التضليل؟
يوحي الأداء الأمني والدعائي، بأن ثمة تواطؤاً لمصلحة التضليل، فاللبنانيون ليسوا في صورة ما تملكه الأجهزة الأمنية من معطيات حقيقية، وهم عرضة لحملة مركزة، بما في ذلك بعض المسؤولين في الحكومة اللبنانية، من أجل أن يُسلّموا بإنتاجية "الاعترافات" السورية، انطلاقاً من توقيفات قليلة حازت على ضجة كبيرة، شهدها مخيم البداوي في طرابلس وإجراءات أمنية يشهدها مخيم عين الحلوة في صيدا، في حين يثّبت تسجيلات صوتية تأكد أن مصدرها هو اللواء آصف شوكت هدفها الإيحاء بوجود علاقة "تنظيمية" بين المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي وبين الموقوف أحمد سليمان مرعي، الذي يبتدع اللواء الموقوف جميل السيد حججاً متنوعة من أجل أن يتجنب مواجهته، في سياق التحقيق المفتوح في ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ونبدأ من المسألة الأخيرة، أي من التسجيلات الهاتفية بين ريفي ومرعي، فماذا عنها؟
في عشرين أيار 2007، حاصرت فرقة من فهود قوى الأمن الداخلي بالاشتراك مع مجموعة من شعبة الأمن والمعلومات في قوى الأمن الداخلي، مخبأ مجرمي "فتح الإسلام" في شارع المئتين، فاتصل أحمد مرعي في الخامسة والدقيقة الثانية فجراً، باللواء ريفي مهدداً إياه بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم يفك الطوق ويترك جماعة "فتح الإسلام" هناك بخير.
كان الاتصال الهاتفي الذي أتضح أنه خاضع لمراقبة المخابرات السورية يجري من رقم سوري هو 00963969555205
بديهي أن ريفي استمع الى مرعي، لم يُلغ العملية، إلا أن الذي حصل في هذا الوقت أن قائد المجموعة في شارع المئتين اتصل به وأبلغه أنه في المباني الأربعة المسيطر عليها من مجرمي "فتح الإسلام" توجد عائلات مدنية وأطفال، وبالتالي الهجوم على المجموعة بالوضعية الراهنة قد يتسبب بمجزرة في صفوف المدنيين، وطلب قائد المجموعة إرجاء العملية لساعتين حتى يتم إخلاء المدنيين.
وبالفعل، سارع ريفي الى إجراء اتصالات مع بلدية طرابلس لتوفير سلالم عالية لعسكرييه من أجل إخلاء المدنيين، وكسباً للوقت تلقى سبعة عشر اتصالاً من مرعي جلها على الرقم السوري وقلة منها على رقم خلوي لبناني هو 03135727.
ومن يعرف اللواء ريفي يعرف حزمه ولكن يعرف لطف ألفاظه أيضاً وقدراته الهائلة على امتصاص كل الموبقات اللفظية لمحدثيه الخائفين أو المهددين، خصوصاً وأنه كان يدرك أن كلمات أحمد مرعي تمر عبر آلة تسجيل المخابرات السورية.
وعندما أنجزت فرقة الفهود تحرير المباني الأربعة من المدنيين عرض على أحمد مرعي أن يُقنع مجرمي فتح الإسلام بالاستسلام وهو يكفل أن يؤمن لهم طريقاً آمنة الى السجن، وقطع الاتصال، وأعطى أمراً بالهجوم.
وبعد الهجوم اتصل أحمد مرعي مجدداً باللواء ريفي، وكان تعباً ويائساً، فرجاه أن يعمل على إطلاق سراح شقيقه محمد الذي جرى توقيفه في شارع المئتين، لأنه "بريء" ولا علاقة له لا بـ"فتح الإسلام" ولا بغير "فتح الإسلام".
بقي محمد موقوفاً (وهو لا يزال موقوفا) فظهر أنه "سر أخيه"، ففي الإفادات التي قدمها كنز معلوماتي عن علاقة شقيقه بآصف شوكت وبالعميد السوري جودت الحسن وبمسؤولي المخابرات السورية السابقين في الشمال ومن بينهم فارس عصفورة ومحمد خلوف، وبعلاقة "فتح الإسلام" بالمخابرات السورية ولا سيما علاقة نائب شاكر العبسي المدعو أبو ميدن، بها، على اعتباره ضابط مخابرات سوري، وكان يخطط لاغتيال شخصيات لبنانية من بينها البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير ورئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري، وهو ما عاد وأكده قبل اعتقال أحمد مرعي لاحقاً عندما دخل الى لبنان بجواز سفر دانماركي، الموقوف السوري مصطفى سيو.
وبهذا المعنى، فإن محاولة التلاعب على التسجيلات هدفها حماية آصف شوكت من أقوال عميله، بعدما فضحتها "المستقبل" وذر الرماد في العيون لمنع الرأي العام من رؤية الأدلة الفاضحة التي تربط تنظيم فتح الإسلام بالمخابرات السورية وبالرئيس السوري بشار الأسد، الذي عمل على تأسيس هذه المجموعة الإرهابية من خلال منح مؤسسيها مراسيم عفو إنهاء لمدة محكومياتهم.
ومعروف أن السلطات السورية تطالب بتغيير كل من اللواء ريفي والمقدم وسام حسن، رئيس شعبة الأمن والمعلومات في قوى الأمن الداخلي، على خلفية ما أنجزته قوى الأمن الداخلي على مستوى مكافحة الإرهاب السوري وما زودت به لجنة التحقيق الدولية من معطيات بعضها معروف وبعضها لا يزال في "أسرار الآلهة"، الأمر المستحيل تلبيته قبل الانتخابات النيابية، لذلك كان لا بد من حملة هدفها… الإقالة المعنوية.
وما يحصل على هذا المستوى، يحصل مثله على مستوى الإدعاء بإنتاجية فيلم الاعترافات.
وفي هذا السياق، تؤكد الوثائق ومنها تلك التي نشرتها "المستقبل" أن أي جديد لم يقدمه فيلم "الاعترافات" للأجهزة الأمنية وللقضاء اللبناني.
كيف ذلك؟
إن "الاعترافات" تحدثت عن هاربين من مخيم نهر البارد، وهؤلاء مطلوبون للقضاء اللبناني منذ توقيف نبيل رحيم، ولكنهم لم يكونوا بمتناول الأجهزة الأمنية اللبنانية، لسبب بسيط أن المخابرات السورية أمرت القيادة العامة التابعة لها والموجودة في مخيم البداوي، بتوفير ملاذ آمن لهم، ولكن بعد بث الفيلم، الذي كان إشارة لقرار سوري بإنهاء "مأمورية" "فتح الإسلام"، تمّ الإيعاز الى القيادة العامة لرفع الغطاء عن الأشخاص المحميين منها، فاستلمتهم اللجنة الأمنية وسلمتهم الى الأجهزة الأمنية اللبنانية.
وبمراجعة إفادة شاهين شاهين (نشرتها "المستقبل") يتضح أن عبد الرحمن عوض (أبو محمد شحرور) الموجود في مخيم عين الحلوة هو "المسؤول عن تفجيرات الأشرفية وفردان والبربير" وتالياً فهو مطلوب حتماً للقضاء اللبناني.
كما أن مراجعة الملفات العدلية تؤكد أن عبد الباقي الحسين الذي بدا بطلاً لفيلم "اعترافات"، وهو المعروف بكنية "ابو الوليد"، مطلوب للقضاء اللبناني، منذ توقيف اللبناني نبيل رحيّم.
وتبيّن مراجعة إفادة احمد مرعي أن هناك جملة مطلوبين للعدالة بجرم تخبئة مئات الكيلوغرامات من المواد الناسفة، سواء في مخيم البداوي أم في محيطه ام في منطقة المنكوبين.
وبديهي التأكيد في هذا السياق، أن مجموعة عبد الغني جوهر مطلوبة للقضاء اللبناني قبل بث فيلم الاعترافات بأسابيع عدة، لا بل إن المعلومات المثبتة تشير الى أن المخابرات السورية ركّبت فيلمها بالاستناد الى المعلومات التي وردتها من المخابرات اللبنانية عن تفاصيل وضع العبوة الناسفة، في البحصاص قرب الحافلة العسكرية.
ومن هنا، فإن الذين يحاولون أن يبنوا على فيلم "الاعترافات" أدلة لمصلحة المخابرات السورية، كان عليهم، لو أنهم في موقع العالمين أو في موقع غير المتواطئين، أن يدينوا نظاماً أسس "فتح الإسلام" وأمّن عبوره الى لبنان ووفر له المكان الملائم والأسلحة اللازمة والبيئة الحاضنة، ومن ثم حماه من الأجهزة الأمنية، قبل أن يسلم البعض بتوقيت سياسي بعدما أمّن هروب أولئك الذين يعرفون كثيراً.
"المستقبل"




















