يقول الشيخ علي عبد الرازق في "الإسلام وأصول الحكم": "لسنا نعجب من ضعف الحركة العلمية السياسية عند المسلمين، ولا من انحطاط شأن السياسة عندهم، ولكن العجب هو أن لا يموت بينهم ذلك العلم، وأن لا يُقضى عليه القضاء كله…". ويردّ الأمر الى "الضغط الملوكي الإسلامي على كل علم سياسي، وكل حركة سياسية…" ذلك أن الملوك – على ما يبـيّن في أمثلته – مارسوا الاستبداد والقهر منذ بدايات الحكم الإسلامي ولغاية اندثار الخلافة العثمانية، ولم يكن لهم لحب النفوذ وخوف ضياعه غير العسف وحكم السيف يُعملونه فتكاً بكل مناهض أو طالب شراكة في سلطانهم…
ويروي أبو عمر ابن عبد ربه القرطبي في الجزء الثاني من "العقد الفريد" أن معاوية استدعى أصحابه من أمصار الدولة سنة 55 للهجرة، وتقدّم إليهم يطلب القول في يزيد مبايعةً له… فتكلم قوم منهم، الى أن قام أحدهم وأوجز البيان ببضع كلمات: "أمير المؤمنين هذا"، وأشار الى معاوية، "فإن هلُك فهذا" وأشار الى يزيد، "فمن أبى فهذا" وأشار الى سيفه…. فقال له معاوية "إجلس فإنك سيد الخطباء"…
هذا باختصار هو واقع الاستبداد والتردّي السياسي في منطقتنا (والمقرون ماضياً ببلاغة لفظية مدهشة)، حيث قضى القمع المستظلّ بالمشروعية الدينية ثم بالمشروعية القومية و"الشعبية" والعائلية على الحس النقدي والعلم السياسي وجعل التنوّر والإبداع يبدوان محاولات مجهَضة سلفاً، أو عارضة على هامش المسار التاريخي "المركزي" للأمة.
ليس بالطبع ما نقوله اكتشافاً، لكنه تأكيد على أن العودة الى العلوم السياسية لتفسير ما يجري، بعيداً عن الاكتفاء بالوصف البديهي للظلم الخارجي الواقع علينا من جهة، وعن إلصاق التهم بجلدتنا وكأن الامر جيني أصاب من "عرقنا" أو من عقلنا مقتلاً من جهة ثانية، هي الأساس اليوم إن أردنا النهوض "بهدوء" وتطارح الأسئلة حول ما يصيبنا ويكاد يودي بنا جيلاً بعد جيل الى التهلكة.




















