من السمات الأساسية التي تطبع المجتمع الإسرائيلي الى جانب كونه مجتمع مهاجرين؛ أنه أيضاً مجتمع شديد التعقيد من حيث تركيبته الاثنية والطائفية. فالتقسيمات المجتمعية هي أفقية وعمودية. فعلى الصعيد الاثني ينقسم اليهود في إسرائيل الى أشكيناز (يهود أوروبا) ويهود شرقيين (يهود الدول العربية). وعلى صعيد المهاجرين الجدد (مهاجري الثمانينات والتسعينات) هناك مهاجرو الاتحاد السوفياتي سابقاً ومجموعة الدول الأوروبية الشرقية التابعة له وفي مقابلهم هناك مهاجرو أثيوبيا.
عمودياً ينقسم المجتمع الإسرائيلي بصورة عامة علمانيين ومتدينين. الى جانب هذا التقسيم تتمايز داخل المجتمع الإسرائيلي جماعات وأقليات لها تقاليدها وقيمها الخاصة. الأبرز بينها المستوطنون في الضفة الغربية الذين يشكلون مجتمعاً خاصاً، والى جانبهم الأقلية العربية من سكان إسرائيل التي لها خصوصية داخل المجتمع الإسرائيلي. الى جانب هذا الإنقسام العريض هناك أيضاً وجود لجماعات وأقليات ذات طابع خاص وهوية خاصة من أهمها العمال الأجانب في إسرائيل ومجتمع المثليين الذي تعرض في الفترة الأخيرة لاعتداء مسلح من قبل مجهول أطلق النار عشوائياً في أحد الملاهي التي يرتادها المثليون في تل ابيب، فقتل ثلاثة منهم من دون أن تنجح الشرطة في القبض عليه حتى الآن، الأمر الذي طرح موضوع الكراهية للمثليين في المجتمع الإسرائيلي والتحريض والتمييز اللذين يتعرضون لهما سواء على صعيد الحياة العامة أم الخاصة وضرورة حمايتهم.
شكلت هذه الحادثة مناسبة للكثير من المعلقين والصحافيين لتناول موضوع العنف والكراهية المتبادلة بين الطبقات والطوائف والمجموعات المختلفة التي يتألف منها المجتمع الإسرائيلي. هذه الكراهية أجاد في وصفها المعلق في صحيفة "هآرتس" جدعون ليفي حين قال: "الحريديم (المتدينون) يكرهون المثليين وهؤلاء يبادلونهم الكراهية، المستوطنون يكرهون اليساريين، واليساريون يكرهون المستوطنين، الأشكيناز لا يحبون اليهود الشرقيين، وكذلك هؤلاء لا يحبونهم، العلمانيون يكرهون المتدينين وهؤلاء يبادلونهم الكراهية، والأغنياء لا يتحملون الفقراء والفقراء لا يطيقون الأغنياء؛ لكن كراهية واحدة توحد هؤلاء جميعاً في ما بينهم إنها كراهية العرب".
وإذا ما علمنا أن الكراهية بين طبقات وفئات المجتمع الإسرائيلي غالباً ما تتحول أعمال عنف، يمكننا أن نتخيل ضخامة وثقل عبء الكراهية التي تعانيها الأقلية العربية في إسرائيل اليوم. فقد اشارت تقارير وأرقام نشرها مركز"مساواة" المعني بمراقبة التمييز والعنف ضد العرب في إسرائيل الى وقوع نحو 70 حادثة اعتداء خلال عام 2008 من جانب يهود على جيرانهم العرب بينها الحوادث التي وقعت في عيد الغفران في هذا العام في عكا، الى جانب 29 حادثة تحريض عنصري و15 حادثة تمييز في العمل. ناهيك بالمضايقات التي يتعرض لها العرب لدى بحثهم عن شقق للإيجار، أو تحولهم مشتبهاً بهم في كل مرة تقع عملية داخل إسرائيل، ومعاملتهم بصورة عامة بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية. وتجدر الإشارة الى ان فوز اليمين بالسلطة فاقم من حملات التحريض ضد العرب لا سيما مع تبني الحكومة الإسرائيلية الحالية مقولة يهودية الدولة والأفكار الكثيرة المطروحة لترحيل الأقلية العربية عن إسرائيل وانتقالها للعيش في الدولة الفلسطينية المستقبلية.
لكن إذا كان هناك إجماع على كراهية العرب بين الإسرائيليين يتوحدون حولها وينسون انقساماتهم، إلا ان هذا لا يلغي دائرة الكراهية التي تتبادلها الجماعات اليهودية في إسرائيل وفقاً لإنتماءاتها الطبقية والاثنية والدينية والثقافية.
في تحقيق واسع حول الموضوع نشرته "هآرتس" برزت بصورة خاصة كراهية الإسرائيليين للمثليين والمثليات والعمال الأجانب وعائلاتهم ولكل المجموعات التي تشكل خروجاً عن المعايير العامة وتختلف عن النموذج النمطي المطلوب. فقد أظهر التحقيق وجود أربع سمات أساسية لهذه الكراهية: مستوى عال من عدم التسامح بين أبناء الجماعات تجاه بعضها البعض؛ تمييز أبناء الجماعات المختلفة في علاقتهم بالجماعات الأخرى؛ الشعور العام لدى ابناء جماعات معينة أنهم ضحية التحريض؛ تمييز كبير بين الرجال والنساء، اما بالنسبة الى التسامح مع أبناء الأقليات الأخرى فتظهر النساء قدراً أكبر من التسامح، فهن غالباً أكثر تسامحاً من الرجال مع المثليين والمثليات ومع ابناء الأقليات الأخرى.
"الاثيوفوبيا"
في رأي داني أدامسو المسؤول عن الجمعية الإسرائيلية لمهاجري أثيوبيا إن في إسرائيل عنصرية تجاه الأثيوبيين بسبب لونهم الأسود. فالمهاجرون الأثيوبيون يعانون من موقف متعالٍ من جانب الآخرين إزاءهم. فهناك تمييز ضدهم في أماكن العمل وفي المدارس وحتى على الصعيد الإجتماعي. وعلى سبيل المثال عدد من أصحاب العقارات يرفضون تأجير الأثيوبيين خوفاً من هبوط مستوى العقار.
بصورة عامة يقول رئيس الجمعية إن الإسرائيليين يتعاملون مع الأثيوبيين باعتبارهم تكرموا عليهم بمجرد قبولهم في المجتمع الإسرائيلي واعطائهم الهوية الإسرائيلية ويجب عليهم أن يكونوا ممتنين لهم.
ليس الوضع أفضل بكثير بالنسبة للمهاجرين الروس او مهاجري الدول الشيوعية سابقاً الذين لطالما شكلوا موضوعاً لكراهية الإسرائيليين الآخرين. فالمتدينون على سبيل المثال يكرهونهم لأنهم ملحدون، واليهود الشرقيون لا يحبونهم لأنهم أشكيناز، وحتى اليهود الأشكيناز من أبناء المهاجرين الأوائل الى إسرائيل وجدوا فيهم منافساً كبيراً لهم نظراً الى العدد الكبير من الأطباء والمهندسين والمثقفين وأصحاب المهن الذين وصلوا الى إسرائيل مطلع الثمانينات مع الهجرة الكبيرة لليهود الروس والتي سبقت إنهيار الإتحاد السوفياتي وشكلوا منافساً قوياً للطبقة العاملة المحلية من اصحاب الاختصاصات العالية مما خلق ضغوطاً على سوق العمل في إسرائيل. الى جانب ذلك ثمة سمعة سيئة للمهاجرين الروس في نظر الاسرائيليين فهم يحملونهم مسؤولية تصاعد أعمال العنف والجريمة والفساد وتفاقم نشاط المافيا الروسية في إسرائيل بعد وصولهم اليها. وفي نظر جزء من الإسرائيليين الرجال الروس هم من المافيا والنساء الروسيات بغايا. ويشير التحقيق الذي نشرته "هآرتس" الى تصاعد اعمال العنف العنصري ضد المهاجرين الروس بصورة أساسية بين الشبان لاسيما في المدارس، ومن هناك يتسلل العنف الى فرق الجيش الإسرائيلي، وذلك نتيجة الكراهية المتفشية في أوساط الإسرائيليين تجاه المهاجرين الروس.
المتدينون المتشددون
ضحايا أيضاً!
وعلى الرغم من إتهام الحريديم أو المتدينين المتشددين بجريمة إطلاق النار التي وقعت في نادي المثليين في تل أبيب مطلع هذا الشهر، لا سيما أن أحد المتشددين سبق ان أقدم عام 2005 على طعن ثلاثة مشاركين في تظاهرة للمثليين في تل أبيب؛ إلا أن الحريديم يعتبرون أنفسهم أيضاً ضحايا التحريض عليهم من جانب العلمانيين. والحريديم هم طائفة من اليهود المتشددين الذين يعيشون داخل أحياء خاصة بهم ويمارسون شعائر الديانة اليهودية كما كانت عليه في القرون الماضية ولهم عاداتهم الخاصة التي تميزهم، فرجالهم ينصرفون الى دراسة التوراة والتلمود ويعيشون من تقديمات الحكومة، ولهم محاكمهم الخاصة وكُنُسهم ومدارسهم، ويُعفى أبناء هذه الطائفة من الخدمة العسكرية الإلزامية، من هنا احساس الإسرائيليين بأنهم يشكلون مجتمعاً خاصاً داخل المجتمع ويعيشون عالة عليهم مما يعرضهم للتمييز والتحريض والكراهية من جانب العلمانيين. لمواجهة هذا الوضع انشأ هؤلاء جمعيات تحارب التحريض والعنصرية مثل جمعية "مانوف"، و "الجمعية المقدسية للمساواة" وهدف الجمعيتين محاربة مظاهر التمييز وعدم المساواة ضد الحريديم. وفي رأي شاي هوروفيتس أحد مؤسسي الجمعية يتعامل الإسرائيليون مع الحريديم بصفتهم متخلفين ومنغلقين، ويخاف سائر الإسرائيليين من النمو الديموغرافي الكبير وسط ابناء هذه الطائفة نتيجة الإرتفاع الكبير في عدد الولادات داخل العائلة الواحدة.
كراهية الأجانب
منذ أغلقت إسرائيل أبواب العمل أمام فلسطينيي الضفة والقطاع في أعقاب الإنتـفاضة الأولى اتجهت الى استقدام مئات الآلاف من العمال الأجانب للقيام بأعمال البناء والزراعة والصناعة. لكن هؤلاء تحولوا مع مرور الوقت الى مشكلة وعبء اجتماعي مع التزايد الكبير في اعدادهم لا سيما ان غالبيتهم أنشأوا عائلات ورزقوا بأولاد وباتوا يشكلون مهاجرين غير شرعيين مقيمن في إسرائيل مما دفع بالحكومة الى اتخاذ قرار بطرد العائلات التي تقيم بصورة غير شرعية في إسرائيل. وقد بلغ عدد العمال الأجانب نهاية العام 2006 أكثر من مئة ألف منهم 84 ألفاً دخلوا بتأشيرة سياحية الى إسرائيل. وفي عام 2007 دخل أكثر من 33 ألف أجنبي كسيّاح قبل ان يتحولوا عمالاً غير شرعيين. يتوزع هؤلاء على جنسيات مختلفة فنحو 13 في المئة من روسيا و8 في المئة من رومانيا، وثمة حصة لا بأس بها من العمال الصينيين تبلغ 10 في المئة وكذلك من السودانيين.
يعتبر العمال السودانيون الأكثر معاناة للتمييز العنصري داخل إسرائيل. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد اتخذت في الفترة الأخيرة قراراً بطرد أبنائهم على الرغم من ان غالبية هؤلاء ولدوا في اسرائيل وعاشوا وتعلموا. وشهدت إسرائيل في الأشهر الأخيرة جدلاً واسعاً بين معارضي سياسة طرد أبناء العمال الأجانب ومؤيديها. وأكثر السودانيين معاناة في إسرائيل هم الذين جاؤوا من دارفور. لكن المشكلة الفعلية ليست في سلوك الناس وانما في موقف السلطات الرافض لبقاء عائلاتهم والسعي الى ترحيلهم.
المستوطنون "ضحايا" اضطهاد الإعلام والقضاء!
تقول أوريت ستروك رئيسة منظمة حقوق الإنسان في الضفة الغربية أن ملاحقة واضطهاد المستوطنين يجري من خلال مثلث: المال – السلطة – الإعلام. وتعتبر أن القوانين التي تطاول المستوطنين هي الأكثر تشدداً في إسرائيل. ويحمّل المستوطنون اليسار في إسرائيل والهيئات القضائية مسؤولية كل الملاحقات التي يتعرضون لها. وفي رأيهم أن هذا اليسار يستمد قوته من الأموال التي تتدفق عليه من أوروبا. وتعتقد اوساط واسعة بين المستوطنين وجود كارتيل يضم اليسار في الدولة والادعاء العام والجيش والإعلام واعضاء الكنيست الذين يشنون حملات معادية لهم.
ويعتبر المستوطنون أنهم الوحيدون الذين يتعرضون دائماً للملاحقات القانونية وللإخلاء والطرد بالقوة وللعنف من جانب الشرطة والجيش. وفي الحقيقة ثمة سمعة سيئة للمستوطنين داخل اسرائيل وخصوصاً داخل الجيش الإسرائيلي الذي تعرض لحملات تشنيع كبيرة من جانبهم خلال فترة إخلاء المستوطنات في غزة حين دعا بعض الحاخامين الجنود المتدينين الى عصيان الأوامر التي اعطيت اليهم لإخلاء مستوطني غزة بالقوة، كما جرت مواجهات دامية، ناهيك بعمليات الكر والفر التي تحدث بين السلطات و"شبان التلال" من مستوطني البؤر غير الشرعية التي لم تنجح الحكومات الإسرائيلية المتوالية في تفكيكها.
واليوم ومع تزايد الضغوطات على الحكومة الإسرائيلية لتجميد البناء في مستوطنات الضفة، وعودة طرح حل الدولتين، يعود المستوطنون في إسرائيل الى واجهة الأحداث ويشكلون النواة الصلبة للتشدد الإسرائيلي والتطرف، ويعتبرون انفسهم من الجماعات التي سيصار الى حل النزاع مع الفلسطينيين على حسابها. وهكذا تحول مستوطنو الضفة هم أيضاً الى موضوع كراهية من جانب كل الإسرائيليين الراغبين في تسوية سلمية للخلاف مع الفلسطينيين.
ويمكن ان نضيف الى كل ما ذكرنا من الكراهية والإحساس بالإضطهاد الذي تعانيه الجماعات المختلفة التي تعيش داخل المجتمع الإسرائيلي، العقدة الكبيرة التي لا يني الإسرائيليون اليوم يلوحون بها بصفتهم الأقلية اليهودية التي يضطهدها العالم وخوفهم الدائم من تجدد محرقة اليهود.
"النهار"




















