المستقبل –
قلّة هم الفلاسفة الذين خضّوا مضجع العقول الهنيئة، وكثر هم المستكينون لنبوءات إدراكاتهم اللمّاعة بالمنطق ومسطّحاته. وإذ تقرأ لفيلسوف أراده فوكو أفقاً لقارة ضاقت فيها الأفكار من تفتّحها تجد أن جيل دولوز هو ذاك المستتر تحت مائدة "الكبار"، يغوي "نفوسهم-الجميلة" لمشاغبة فكر تحطّم المأدبة الأفلاطونيّة وتقلبها من داخلها بفلسفة مبدعة من فلسفة هي نفسها عاقر؛ وبلغة "الاختلاف والتكرار"، هو دولوز يمارس الفلسفة بالفلسفة ضدّ الفلسفة ؛ فيحمّل كلّ تاريخ الفلسفة منذ أفلاطون مسؤوليّة ما أسماه "الخطأ الطويل" أي التمثّل (Representation ).. ويعمل في المقابل على قلب التمثّل لمصلحة مفاهيم أخرى ومبادئ أخرى بالنسبة إلى فكر من صور أخرى.
دولوز هو بدايةً فيلسوف الـ"ضدّ العودة إلى..". رفض كلّ الأشكال التقليديّة التي للفكر، تلك الأشكال التي تفرض نفسها قبل الفكر ذاته (كالذات والموضوع والوعي والعالم..) ودخل التجربة المحضة التي بلا ذات، مسطحاً دون ملامح. وإن جاء في زمن توأم الزمان ونظرات فلسفيّة رأت معها وبها نهاية الفلسفة والتفلسف، جاء ليعارض إعلان الموت ببشرى حياة وليعبّد طريقاً باتجاه قيم جديدة وطرق مبدعة، مستلهماً مهمة الفلسفة من نيتشه: العمل ضدّ الماضي، وعلى الحاضر لصالح زمن سيأتي. "وهذا"، كما تشرح المترجمة، "ما يعنيه دولوز بأن هدف الفلسفة هو استدعاء قوى جديدة فنيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة… أو الدخول في صلة مع القوى البارزة في العصر التي تفلت منه وتشير إلى المستقبل"؛ ليقوم مفهوم الجدّة على التطهّر من الأصول في تعريف الفلسفة كفن إبداع المفاهيم، فيشيّد فضاءً فكريّاً حيث لا وجود لعناصر مجاوزة: "أي لمقولات عليا تسيطر على الأشياء وتنظّمها كالواحد والخير والله والعقل والذات الفاعلة…" ولإبقاء "كثرات قوى وعلامات وتوجهات تقيم سياقاتها على ضوء قدرتها المبدعة نسبيّاً".
"الإختلاف والتكرار"( Différence et Répétition ) هو علامة فارقة في تاريخ الفلسفة: "أطروحة دكتوراه تؤشّر إلى مرحلة جديدة في حياة دولوز الفكريّة، عبّر عنها فيها إلى جانب كتاب "منطق المعنى" فتكثّفت فيه الأفكار وغزرت المفاهيم من خلال قراءاته الكثيرة والمتنوّعة لكبار المفكّرين من فلاسفة وأدباء وعلماء، وحتى انه تناول أعمال فنّانين من مختلف فروع الفن، بعد أن أعاد صنع هذه المفاهيم على طريقته وبحسب مقاصده بهدف تجديد التفكير والفلسفة".
ويعلّل دولوز إنتماء موضوع هذا الكتاب لعصرنا لأسباب كثيرة، منها توجه هايدغر المتدرّج نحو فلسفة للاختلاف الأنطولوجي؛ وممارسة البنيويّة المؤسّسة على توزيع السمات التفاضليّة في فضاء تعايش؛ وفن الرواية المعاصرة الذي يدور حول الاختلاف والتكرار ليس في تفكّره الأكثر تجريداً فحسب إنما في تقنّياته الفعليّة؛ وإكتشاف قدرة تخصّ التكرار، هي قدرة تكرار اللاوعي واللغة والفن. لذلك يمكن أن توضع كلّ هذه العلامات لجهة هيغيليّة معمّمة: حلّ الاختلاف والتكرار محلّ الـ"هو هو" المتطابق والسلبي والهويّة والتناقض: "ليست كلّ الهويّات سوى مصطنعة نتجت بوصفها أثراً بصريّاً عن لعبة الاختلاف والتكرار". إن الفكر الحديث، كما يقول دولوز، ولد من إخفاق التمثّل، كما من ضياع الهويّات، ومن اكتشاف كلّ القوى التي تعمل تحت تمثل الـ"هو هو" المتطابق. "العالم الحديث هو عالم المظاهر الخدّاعة".
في هذا الكتاب يحاول دولوز الردّ على هيغل الذي برأيه اقترح حركة للمفهوم المجرّد بدلاً من حركة الطبيعة والنفس وأراد إحلال الصلة المجرّدة للخاص بالمفهوم عموماً محلّ الصلة الحقيقيّة للفريد. فنحن، كما يؤكّد دولوز، "نريد أن نفكر الاختلاف في ذاته وصلة المختلف بالمختلف، بشكل مستقل عن أشكال التمثّل التي تعيدهما إلى الـ"عينه" وتجعلهما يمرّان بالسلبي".
يستعين دولوز للخلاص من نموذج التمثل بمفكّرين كبار غير كلاسيكيّين منهم "كيركغورد ونيتشه وبيغي" ليستخلص شروط "التجربة الواقعيّة" بوصفها شروط الاختلاف والتكرار، ولينتقد الصورة الضمنيّة للفكر التي تسلّم بالإرادة الطيّبة للمفكر الباحث عن الحقيقة بالعقل، وبذلك ينتقد الصورة الأخلاقيّة التي هدفها إرادة الخير والحقيقي والعادل، فتلك الصورة تجمّد حركات الفكر.
يدخل دولوز التجريبيّة كأسلوب جديد من التحليل الفلسفي. "إن صنع الفلسفة تجريبيّاً يعني استخلاص الشروط العامة للنفس والحياة". فتجريبيّته تدعو إلى التخلّي عن عموميّة المفاهيم المبهمة وعن تجريد المبادئ. و"إنطلاقاً من التجريبيّة يتصدّر الخارج إلى الداخل واللاشخصي على الأنا، حيث التفاهة والحماقة، أي ما يدفع إلى التفكير". في التفكير الدولوزي يعطى للضغط الذي يمارسه الخارج على الفكر ليفكر ويجعله يعارض كلّ أشكال الذاتيّة. لذلك هناك ضرورة لإنطلاق الفلسفة من أوضاع عينيّة بسيطة جدّاً وليس من مقدمات فلسفيّة. فيتراجع التحقق في الميدان المنطقي الذي يتعلّق بالقضايا وبشرط حقيقتها، ويتقدّم بُعد التعبير والمعنى. "التعبير الأكثر موافقة للمعنى هو الإشكالي. بل أكثر من ذلك المعنى يكمن في المشكلة نفسها".
يعدّ الاختلاف والتكرار كتاباً في الوجود وفي الفكر الذي يفكر الوجود، ويطرح من خلاله مفهوماً جديداً للاختلاف دون السلب والتناقض، ومفهوماً للتكرار دون الهويّة وقوانينها العينيّة المنطقيّة. من هنا يجهد دولوز لأن يفكر الوجود على نحو مغاير، أي بما هو تنوّع وكثرة بلا اختلاف: "ليس الصلة بين الاختلاف والتكرار مثلما هي بين متجانس ولا متجانس (…) إنما هي في تجاوز لهذا التعارض لصالح نقد عادة ما يتمثّل من خلاله الفكر الفلسفي الاختلاف كاختلاف بين شيئين، والتكرار حالات ومرّات، ولكن في الحالتين، ينقص الاختلاف والتكرار معاً، لأنّه يتمّ استيعابهما عن طريق موقف أصلي من الهويّة: الاختلاف يعني الابتعاد عن الهويّة المفترضة، والتكرار يعني إعادة إنتاج نسخة أو نموذج. ويهدف نقد فكر التمثل إلى إزاحته من أجل بلوغ اختلاف إيجابي وتأكيدي، وتكرار مبدع بعيد عن المظاهر السطحيّة المجرّدة".
لطالما اشتهر الفرنسيّون بالمشاكسات الفكريّة، لكن دولوز المتناسي فيلسوف التحليليّة الأنغلوساكسونيّة حتى الإحتقار في حلقاته التلفزيونيّة الشهيرة المعنونة بـ"الأبجديّة" (lAbécédaire )- والذي يعرض فيه تاريخ الفلسفة بحسب أعلامها بالتسلسل الأبجدي – لا يستطيع إلاً الاعتراف بأنّنا "لا نكتب إلاّ عند حافة معرفتنا، عند هذه الحافة القصوى التي تفصل بين معرفتنا وجهلنا، وتجعل الواحد ينتقل إلى داخل الآخر. بهذه الطريقة فقط يتعيّن علينا أن نكتب، أن نردم الجهل، أيّ ان نؤجّل الكتابة إلى الغد، أو بالأحرى أن نجعلها مستحيلة".
[ الكتاب: الاختلاف والتكرار
[ الكاتب: جيل دولوز
[ المترجم: د. وفاء شعبان
[ الناشر: المنظمة العربيّة للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 2009




















