المؤتمر السادس لحركة "فتح" جاء بعد انقضاء عشرين عاما على مؤتمره الاخير. كانت "فتح" بالنسبة الى الشعب الفلسطيني وشعوب الامة العربية بمثابة حزب الشعب الفلسطيني، وكان التزام لاهدافها كونها طليعة حركة التحرر وبالتالي شكلت قيادة المقاومة. وعندما حصلت هزيمة حزيران 1967 واستفحل الاحباط، جاءت معركة الكرامة في غور الاردن لتعيد الى جماهير الامة العربية الشعور بالامل مما ساهم في استرجاع الثقة باحتمال استعادة الحقوق وبان الهزيمة العسكرية لن تؤول الى انهزامية وبالتالي استقالة من الالتزام بل بالعكس دفعت جماهير الامة نحو معاودة النضال المدروس والآخذ في الاعتبار اسباب النكبة الثانية، مما حرك الضمير العالمي وجعل من القضية الفلسطينية محورا جاذبا لدائرة الوجدان في ارجاء العالم.
كما ان "فتح" بعد معركة الكرامة استقطبت تحالفات من عناصر وفصائل متعددة مما ادى الى تثوير منظمة التحرير الفلسطينية وتسليم قيادتها الى من قام باطلاق الرصاصة الاولى في اول كانون الثاني عام 1965.
وعلى رغم ان "فتح" لم يكن لديها رصيد في العمل القومي العربي، الا ان الاحتضان العفوي الذي لازم دورها المميز في التصدي دفعها الى الادراك ومن ثم الاقتناع بان ردع تمادي المشروع الصهيوني لا يتم الا من خلال تماسك عربي يتم التعبير عنه بمواقف عربية واحدة وبقدرة عربية على جعل كل عدوان اسرائيلي مكلفا لها. وقد عجل رسوخ اقتناع قيادة "فتح" بوحدة المصير العربي تراث الفصائل ذات الجذور القومية التي انضوت معها في اطار منظمة التحرير، ومع ان قيادة "فتح" التاريخية تصرفت في المراحل الاولى بعد حزيران 67 كأنها البديل من النظام العربي القائم آنذاك، فان المبالغة في تقويمها للاحتضان الواسع دفعها الى الإيحاء ان التداخل الجماهيري الدافئ يجيز لها التدخل السافر مما ادى الى تعثر في علاقاتها مع انظمة الدول التي وجدت فيها. وهذا بدوره دفع المقاومة الى مراجعة نقدية لسلوكياتها واسلوب تعاملها وادراكها لحدود طاقاتها مما يعزز امكانات تفعيلها. وبرزت هذه المعادلة بأوضح تجلياتها في قيام حركات وتجمعات وطنية وشعبية بلورت التداخل ووضعت بالتدرج حدودا لـ"فتح" والمنظمة بالتدخل. وكان هذا بمثابة انعطافة آلت الى اعتراف متبادل عام 1974 بين النظام العربي الرسمي ومنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.
واعتقد ان هذا القرار الذي استهدف تنظيم علاقة النظام العربي القائم بحركة التحرير اوجد اشكالية يبدو اننا لا نزال نعاني تداعياتها الى يومنا هذا، بمعنى ان القمة العربية التي انعقدت آنذاك اوجدت بقرارها اعتبار المنظمة ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني، التباسا قد لا يكون مقصودا انما ادى الى اغراء المنظمة بان قرار القمة اعتبرها بمثابة "دولة" كاملة العضوية في الجامعة العربية وعزز خطأين رئيسيين (حتى لا اجزم بانهما فادحان) احدهما كون المنظمة رجحت استقلالية قراراتها على الحاجة الى ربطها بكون القرارات المتعلقة بالمصير الفلسطيني لا مفر لها من ان تكون حصيلة اجماع عربي، او على الاقل توافق قومي.
اما الخطأ الثاني فهو ان توجهاً حصل عند قيادة المنظمة بالايحاء ان قرارها المستقل بمعنى وحدانية حقها في اتخاذه استولد مثالا للكثير من الحكومات العربية التي بدورها اعطت نفسها حق التفرد بقراراتها مما ادى عام 1979 الى اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام بين مصر واسرائيل… والتي بدورها استولدت اتفاقات اوسلو التي لا تزال قياداتها الفلسطينية متنافسة ومتصارعة عليها. وان ما انتجه مؤتمر "فتح" السادس في بيت لحم الاسبوع الماضي فما هو الا مرآة لعبثية مجابهة المشروع الصهيوني بغير استعادة كون فلسطين مسؤولية قومية للعرب ومسؤولية دولية لانقاذ الشرعية الدولية وفلسطين من براثن العدوان الصهيوني. ان المبادرة في هذا الاتجاه التصحيحي يبدأ بعودة اللحمة الوطنية الفلسطينية التي من دونها نبقى في حالة التبعثر الذي يعيش العرب اوجاعها والشعب الفلسطيني مآسيها.
النهار




















