المستقبل –
في الصورة القادمة من طهران يظهر المرشد الأعلى علي خامنئي مبتسما، منبسط الأسارير، فيما الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي كان (المرشد) صادق للتو على إعادة انتخابه لولاية ثانية، يقّبل كتفه، بعد أن منعه من تقبيل يده، على غرار ما حصل في الولاية الأولى، وتحولت صورته آنئذٍ وهو يقبل يد المرشد إلى مادة للتندر لدى قطاعات واسعة من النخبة والمثقفين والمتعاطين مع الشأن العام في إيران.
في الصورة يظهر كذلك، رأس علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى، يطل من خلف الكتف الثاني للمرشد، فيما ترتسم على محياه نظرة غامضة ومحّيرة، لكنها تبدو مشحونة بالدلالات وهو يرمق المشهد الماثل أمامه من زاويتي عينيه.
تُرى هل تعّبر نظرته عن استهجانه لسلوك نجاد في اصراره على تقبيل يد المرشد أو كتفه؟ أيتساءل عن مدى الحاجة إلى مثل هذا السلوك، وعن مدى صدقه في التعبير عن الاحترام، أو عن علاقة الابن بأبيه، كما فّضل نجاد أن يصف العلاقة القائمة بينه وبين المرشد.
تُرى هل بات لاريجاني يشكك في جدوى هذه "الحركة" حتى في التعبير عن الولاء والطاعة، ما دام نجاد قد استنكف، طوال أسبوع بأكمله، عن تلبية رغبة المرشد في إقالة أسفنديار رحيم مشائي من منصبه كنائب أول له، ومن ثم تعيينه مديرا لمكتبه وكبير مستشاريه، حتى بعد اضطراره لاستجابة طلب المرشد؟ أيتساءل لاريجاني في نفسه عن أي العلاقتين هي الأقوى من الأخرى، علاقة نجاد مع المرشد، أم مع مشائي الذي تربطه به علاقة مصاهرة؟!
أم أن لاريجاني يفكر في انعكاس هذا السلوك على علاقته هو مع المرشد ومع الرئيس، أو تأثيره (السلوك) في علاقات القوى والأطراف المتباينة والمختلفة في صفوف النخبة الحاكمة في إيران. فما يغدقه المرشد من صفات على نجاد يطعن في إمكان وقوفه على الحياد تجاه مختلف رموز وأعضاء تلك النخبة، مع أنه يفترض به أن يكون على مسافة واحدة منهم جميعا!!.
في الصورة تظهر أيضا، كخلفية للمشهد كله، صورة مؤسس الجمهورية الإسلامية الراحل الخميني، وهو يتطلع إلى البعيد بكثير من الثقة والاطمئنان والسكينة، ولرب أحد يسأل تُرى هل كان ليرضى عن هذا لو قيض له أن يشهد الموقف بأم عينية؟
وبالمقابل، يغيب عن الصورة، التي نشرتها بعض الصحف عقب مراسم مصادقة المرشد على تنصيب نجاد لولاية ثانية، بعض رموز ورجالات الثورة والنخبة الإيرانية، كالرئيسين السابقين، هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، (التي جرت العادة أن يكونا حاضرين في هذه المناسبة، وان يقرأ أحدهما مرسوم التنصيب)، فضلا عن المرشحين الخاسرين مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وسط تساؤل طرحه عدد كبير من المراقبين، حول احتمال عودتهم للظهور في الصورة مجددا، أم أن إقصاءهم عن المشهد كليا، بات هو الاحتمال الأرجح، في ضوء تواتر المؤشرات الدالة على ذلك، ومنها المحاكمات التي تجري، وتوجه فيها تهم الارتباط بجهات أجنبية والتجسس لحسابها والتآمر لإسقاط النظام القائم، والتي قد تمهد الطريق لمحاكمة أبرز رموز الإصلاحيين، كما يطالب بذلك بعض "المحافظين" المتشددين وبعض الصحف المحسوبة عليهم.
المرشد الأعلى كان قال في كلمة التنصيب إن تصويت الإيرانيين الحاسم للرئيس، الذي وصفه بالسابقة، هو "تصويت تهنئة على أداء الحكومة المنتهية ولايتها".
واعتبر أن الانتخابات شكلت "اختبارا إليها" نجح فيه الشعب، بينما فشل فيه بعض أعضاء النخبة، الذين سيتحولون إلى "غاضبين ومجروحين" وسيتصدون للحكومة المقبلة، من على هذه الخلفية.
وقد ميز خامنئي بين أولئك، وبين من سيتوجهون بالنقد، ولكن ليس من موقع العداوة للرئيس، وطالب بأخذ وجهات نظرهم في الاعتبار، ما يعني أن من سينتقد من موقع "الفشل والغضب والكرامة الجريحة" سيكون مطعونا بنقده، وبصدقه وشرعيته، على نحو مؤكد، خصوصا أن أولئك كانوا قد أخرجوا سلفا من ضفة "الشعب" الذي وقف مع نجاد وصّوت له، و"نجح في الاختبار الإلهي".
مثل هذا التعاطي مع النقد، الذي يهتم بالجهة التي يصدر عنها، أكثر من اهتمامه به نفسه، يمكن أن يجعله عرضة للأهواء والرغبات، أكثر من خضوعه لعمل مؤسساتي وقانوني (ينطلق من الأخذ بآليات تحترم وتقبل التعددية والرأي الآخر، وتصون حق الجميع في التعبير عن رأيهم). وقد ينتهي المطاف به إلى طريق في اتجاه واحد فقط، هو قبول الإطراء والمديح فحسب، في وقت باتت السجون الإيرانية مكانا لممارسة التعذيب وموت المعتقلين، وفي وقت باتت توصف ممارسات بعض رجال الأمن الإيرانيين بأنها أسوأ من "ممارسات الصهاينة بحق الفلسطينيين".
ينسب قديما إلى أحد الأعراب قوله بأنه "يشكر لمن يهديه الى أخطائه". أما الآن، فإن أغلب المسؤولين في عالمينا العربي والإسلامي، نجد أن صدورهم تضيق بأي نقد موجه لهم، مهما صغر، ولا يميلون سوى إلى سماع عبارات الإطراء والمديح، فإليها وحدها يطربون ليزدادوا من بعدها غرورا وصلفا وضيقا بالآخرين. الآخرون المختلفون طبعاً! من دون أن يعني هذا أن المعارضة على اختلاف أطيافها وألوانها، هي أحسن حالا، فأغلب زعمائها أيضا تتشابه حالهم مع حال الحكام، ويبدون كأنهم صورة مصغرة عنهم، مع حفظ الفروق في الدرجة والتباينات.




















