المستقبل
البحث في التاريخين الاجتماعي والاقتصادي في الدولة الاسلامية الوسيطة بحث في حقل وعر تغيب فيه الحدود والملامح، وهو ما يستدعي التنقيب والاستصلاح لكثرة ما يعلو صفحته (الحقل) الركام السياسي والتباينات الفقهية فضلاً عن قلة المادة التاريخية التي تعنى بالشأنين التاريخي والاجتماعي.
وبما أن الكتاب موضوع القراءة، كناية عن أبحاث متفرقة يجمعها خيط ناظم واحد، لكنها لم تعالج وفق تصور مسبق وتخطيط جامع، فان القارئ لا يسعه تتبع حبّات العقد واحدة تلو الأخرى خشية عدم التناسق والانتظام، الأمر الذي يرجّح انتقاء بعضاً من كل، شرط ان يكون هذا البعض مترابطاً ومنسقاً. انطلاقاً مما تقدّم، يصلح البحث الوارد في الفصل السابع بعنوان "في التنظيم الاقتصادي في صدر الاسلام" مدخلاً للقراءة على ان تكون الفصول المتعلقة بالوقف وأحكامه الفقهية وكيفية إنبناء الفقه على السيرورة التاريخية لهذا المرفق الحيوي الذي كان عضواً قوياً للدولة في مراحل الضعف.
اختار الدكتور الدوري "الأرض" كمدخل للبحث في التنظيم الاقتصادي في صدر الاسلام، وبما أن الموضوع واسع ومتشعب فقد لجأ الكاتب الى تتبع بعض الخطوط العريضة في اطار الوعاء التاريخي الذي هو مورد اهتمام المؤلف بصورة اساسية.
استحوذت "الأرض" على اهتمام المسلمين الأوائل باعتبارها المصدر الأساسي للرزق الى جانب التجارة، وقد طال اهتمامهم جانبين حيويين، الأول، يرتبط بكيفية تملك الأرض المفتوحة، والثاني، يتعلق بالضرائب التي تجبيها الدولة من المزارعين. وقد قرر الرسول أن الناس سواسية في ثلاث: الماء والكلأ والنار (حطب الوقود) والمعلوم أن هذه كانت مصدر نزاع وحروب مستمرة بين القبائل قبل الاسلام.
وبخصوص الأرض، استقر رأي الخليفة عمر بن الخطاب على عدم تقسيم الاراضي المفتوحة، والثاني، في وقت ألح جّل المقاتلة على القمسة، وقد استعمل تعبير "الفيء" اشارة الى الاراضي المفتوحة، و"استقر على انها في الأمة الاسلامية" التي صارت تدعى، فيما بعد، الارض الخراجية، وهناك صنفان آخران من الأراضي وضع لهما أطر أخرى؛ فهناك أرض "الصوافي" وهي التي كانت للأسر المالكة والنبلاء أو التي لا مالك لها، وأرض الموات "الأراضي المتروكة" وهي التي تحتاج الى جهد ونفقة لإحيائها واستغلالها.
واستعمل لفظ الفيء للدلالة على الأرض الخراجية أو على واردها، مع أنه قد يستعمل للدلالة على وارد البلاد المفتوحة عموماً.
بقيت الصوافي فيئاًَ للمقاتلين الأولين، حتى مجيء الأمويين. ولعل موقف الخليفة عثمان فتح المجال لربط الصوافي ببيت المال أيام الأمويين، وتبدو نظرة الفقهاء الى الصوافي متماشية مع الاتجاه الجديد؛ فهم يرون الصوافي تابعة لبيت المال، وللخليفة ان يتصرف بها كما يرى إقطاعاً أو مزارعة او إيجاراً وصولاً الى الاستغلال المباشر.
واللافت ان القرنين الأولين شهدا ظهور الملكيات الكبيرة لدى الأمراء والمتنفذين والمتمولين من خلال إحياء الموات "الأرض الموات لمن أحياها" او من اقطاع الصوافي اضافة الى شراء الارض الخراجية، الا ان اعتبار الخراج إيجاراً للأرض جعل نظام الملكيات الكبيرة والضياع "يختلف من حيث المبدأ عما ظهر في الغرب إبان عصر الإقطاع" على الرغم من الاقتراب من المفهوم الغربي بعد ظهور الاقطاع العسكري منذ القرن الرابع الهجري.
واستقرار مفهوم ان الأرض فيء الأمة او وقفاً عليها، ساهم عملياً، في جعل الدولة هي المالكة للأرض ومن هنا، ولدت تسمية الأرض بالأميرية (أرض الميري) وهو ما أكسب الدولة سلطة وأعطاها مجالات جديدة في التصرف بالأرض.
في هذه الأثناء ظهر "الوقف" لأغراض خيرية وعامة، بعد ذلك انتشر ما عرف "بالوقف الذري" الذي اتسع مداه وتفرّع، وهو ما استدعى التأسيس الفقهي على أرضية الممارسة التاريخية للوقف في القرون الأولى.
واذا كانت الأرض الخراجية والصوافي والموات قد آلت في النهاية الى كنف الدولة بما عرف بالأرض الأميرية، فان الوقف استنبت مشكلات وقضايا لا تزال موضع أخذ ورد بين المذاهب والفقهاء الى اليوم، خصوصاً علاقة الوقف بالتنمية.
وكان للأوقاف دور كبير في المجتمعات الاسلامية وتحديداً في وجوه البر والخير؛ فكانت ميداناً ثرياً يعضد الدولة في النواحي الاجتماعية والتعليمية والصحية والثقافية فضلاً عن تعزيز الجهود ورفده بما يحتاج، وبما أن الوقف "هو حبس للعين وتسبيل للثمر" وبالتالي لا يجوز التصرف به بيعاً ورهناً وهبة، كما انه لا يورَّث، ويصرف وفق مقتضيات شروط الواقف، فان صعوبات كبيرة وكثيرة واجهت الدولة والمجتمع الأهلي لجهة الكيفية التي يدار بها هذا الحقل ومخاطر التعطيل والتجميد التي باتت تتعارض ومقاصد الواقفين الفعلية.
وكان للأوقاف دورها في الجهاد والأخذ بيد المجاهدين في الثغور، فضلاً عن الصرف في بناء القلاع والأبراج والمنشآت العسكرية، وأحياناً كان يشترى بها السلاح وتفك الأسرى. اما في الحياتين العلمية والثقافية فللوقف دور واسع خصوصاً على زوايا العلم، وعلى كراسٍ لتدريس الفقه والحديث والتفسير، الى جانب تأمين منازل للطلبة وخزانات الكتب في المساجد ودور العلم.
وغطّت الاوقاف جانباً مهماً من الرعاية الطيبة، وتمثل ذلك في اقامة البيمارستانات وتقديم الخدمات الطبية وارسال الاطباء الى الأرياف لعلاج المرضى، وثمة مصاريف أخرى، في هذا المجال، لا متسع لذكرها.
وتوسعت الآفاق في مراحل معينة، لتطال حقولاً مختلفة في الأسرة والاجتماع كتزويج الأيامى والأبكار اليتيمات، وتخصيص مرتبات شهرية للشيوخ والضعفاء وقد استحدثت اوقاف لإنارة السبل أمام المارة ليلاً.
وهكذا، يظهر ان الأوقاف غطت، في مراحل تاريخية سابقة، مختلف النواحي التي باتت اليوم من مهام الدولة، وهو ما يخفف من اعبائها. غير أن القيود الفقهية الموضوعة على الوقف، خصوصاً مسألة تأبيد الموقف، وعدم مشروعية بيعه أو رهنه او إيجاره حالت في الماضي، وتحول دون الاجراءات الآيلة الى تعزيز الموارد المالية ولا يخفى ما لهذا الحقل من دور في تخفيف الأعباء وتعزيز التنمية في الدول الاسلامية، وهو ما يفترض اعادة النظر بالقوانين الراعية للوقف أو تجديد الفقه المتعلق بالموضوع.
في هذا الاطار، يدعو الدوري الى إيجاد ادارة حديثة للوقف مع الحاجة الى إعادة الهوية الحقيقية له ليكون قطاعاً ثالثاً بين النشاط الحكومي والنشاط الخاص، شرط تحاشي سلبيات الماضي والافادة من آفاق الواقع الراهن، وللحديث عن الوقف توجد ميادين علمية مختلفة، والمجال لا يتسع لمتابعتها، إلاّ ان اهتمام الدوري بها يكشف عن الحاجة الى بلورة موقف فقهي وقانوني واضح وشامل بشأنها.
[الكتاب: أوراق في التارسخ والحضارة (أوراق في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي)
[ الكاتب: د. عبد العزيز الدوري
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009






