بعد الموافقة على مبدأ حل الدولتين ها هو رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يستعد لاعلان موافقته على تجميد مؤقت للاستيطان في الضفة الغربية.
من ناحية هذا يثبت انه حينما تكون الادارة الاميركية، اي ادارة اميركية مصممة على طلب ما من الحكومة الاسرائيلية، اي حكومة اسرائيلية، فانها تحصل على ما تريد.
سيناريو عدم تعريض العلاقات الاميركية – الاسرائيلية للخطر، وعدم اغضاب الحليف الاول، وربما الوحيد يتكرر في تاريخ الحكومات الاسرائيلية، واليمينية منها بشكل خاص.
لكن من ناحية اخرى يمكن اعتبار ان موافقة نتنياهو الوشيكة على تجميد الاستيطان قد تكون آخر تنازلاته لمدى زمني مطول نسبيا.
فبعدما ادى نتنياهو ما هو مطلوب منه، بحسب الرؤية الاميركية، ندخل في مرحلة قوامها توجيه الضغوط على الجانب الآخر، العربي.
بعض "اللفتات" الرمزية ستتبع ولا شك قرار نتنياهو، من مثل استئناف العلاقات عند مستواها السابق بين اسرائيل وعمان وقطر، او السماح للطيران الاسرائيلي باستعمال بعض الاجواء العربية.
لكن الضغوط الحقيقية ستبدأ بعد ان يعلن الجانب الاميركي رؤيته لمسار السلام الفلسطيني – الاسرائيلي. التفاصيل غير معلنة لكن التوجه العام لن يخرج كما هو متوقع عن اعتبار كل الملفات مطروحة للبحث.
ومثلما ان وعود جورج بوش لحكومة ارييل شارون لم تعتبرها ادارة باراك اوباما ملزمة فان ما قدمه ايهود اولمرت في المفاوضات التي اعقبت انابوليس لن تكون مقبولة من نتنياهو كنقطة انطلاق، مثلما لن تشكل مادة ضغط اميركي على اسرائيل.
المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية المنتظرة، برعاية اميركية، ستفتح فورا ملف العلاقات العربية – العربية، والعلاقات العربية – الايرانية.
لن نكون امام مفاوضات تجرى بشكل مكثف، على طريقة "كمب ديفيد"، فيما الاطراف الآخرون ينتظرون النتائج كي يحددوا مواقفهم.
المفاوضات، التي ستكون بالتأكيد طويلة ستؤدي اولا وظيفة استدراج مواقف الآخرين. والآخرون هنا لا عد لهم ولا حصر.
مؤتمر "فتح" الذي انجب القيادة الجديدة ويتأهب لانجاب القيادة الجديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية سيكون امام اختبار الضغوط الاميركية "الصديقة"، وامام محاولات السلوك بالمفاوضات الى الحل الذي لا يوجد اليوم طرف فلسطيني قادر على تبنيه واقتناع الفلسطينيين، اي فلسطينيين به.
حركة "حماس" ستقع تحت ضغط ان المفاوض الفلسطيني يحتاج في "صموده" الى موقف فلسطيني واحد، والى سلطة واحدة تستطيع ان تناور فعلا بأن لديها كل الخيارات، وليس على طريقة المخارج اللفظية في الوثيقة السياسية لمؤتمر "فتح" حيث بقيت "كل اشكال النضال" في الدائرة الشرعية.
ومما سيزيد الضغوط على "حماس" ان سلطتها وقعت بين حدي الاضطرار الى الهدنة العسكرية المطولة مع اسرائيل والغرق في محاولات اسلمة المجتمع الفلسطيني في غزة، مما يفقد سلطتها معظم شرعيتها الاصلية.
والضغوط التي ستنجم عن مفاوضات المسار الفلسطيني ستنتقل فورا الى المسار السوري. فهذا "المسار" شريك في اوضاع غزة، وهو شريك في الملف الاعظم: العلاقات السورية – الايرانية.
وعلى هذا الصعيد لا بد ان تختتم المفاوضات الفلسطينية كل مرحلة الغموض والتردد التي حكمت العلاقات الاميركية – السورية في الاشهر الاخيرة، فاما ان تكون مناسبة لتعجيل مفاوضات موازية سورية – اسرائيلية مع ما يرافقها من تطوير للعلاقات الاميركية – السورية، واما ان تكون مناسبة لتدهور جديد يعيدنا الى منطق المعسكرات.
تبقى اخيرا الضغوط المنتظرة على ايران، والتي حددت لها ادارة اوباما اصلا شهر ايلول موعدا. فقد تجد طهران نفسها امام اجوبة مطلوبة في ملفها النووي فيما اجواء التفاوض تغلب على المسارين الفلسطيني والسوري، مما يحرم طهران من القدرة على ترتيب الاولويات في المنطقة لمصلحة تأجيل استحقاقاتها النووية، كما فعلت في السنوات الاخيرة.
واذا اضفنا الى ذلك تعقيدات الوضع الايراني الداخلي، نجد انه ربما تكون ايران مضطرة خلال الاشهر المقبلة الى تغيير حقيقي في طريقة مقاربتها لعلاقتها مع الولايات المتحدة.
"النهار"






