– القاهرة
ما زالت أصداء الزلزال الذي فجره الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بانسحابه من تحالف الرابع عشر من آذار تتردد في جنبات الساحة السياسية اللبنانية، في خطوة قلبت توازناتها السياسية إلى الحد الذي يجعل مفاعيلها المحلية والإقليمية مستمرة إلى فترة مقبلة. ولأن عدد مقاعد البرلمان اللبناني 128 حصلت "الأقلية" منها على 57 مقابل 71 حازت عليها "الأكثرية" بما فيها 11 مقعداً حصل عليها أنصار وليد جنبلاط، تترتب معادلات جديدة في البرلمان مفادها أن "الأكثرية" لا تستمر كذلك لأنها تملك فعلياً الآن 60 مقعداً فقط وأن "الأقلية" يمكن أن تصبح بقرار من وليد جنبلاط "الأكثرية" في حال انضم إليها!.
ينعى المعارضون لخطوة وليد بك عليه أنه كان أكثر الصقور في فريق الرابع عشر من آذار تشدداً حيال سوريا ورئيسها الذي هاجمه جنبلاط بضراوة وبصورة شخصية غير مسبوقة في الاحتفالات الحاشدة لقوى الرابع عشر من آذار. كما كان الزعيم الدرزي أبرز المنتقدين لنظرية "ولاية الفقيه" و"حزب الله" اللبناني ومن خلفه إيران وسياساتها، والتي طاب له أن يصفها دوماً بـ "مؤامرات فارس" استدعاء لحساسيات تاريخية بين العرب والإيرانيين.
ويتذكر المعارضون لخطوة وليد بك أنه أشعل بضغطه المتوالي على حكومة فؤاد السنيورة أحداث السابع من أيار 2008 بإصراره على تفكيك شبكة اتصالات "حزب الله"، بل إنه هدد حتى باستقالة الوزراء التابعين لحزبه في حال لم يتحقق ذلك. وعندما تم ذلك وحصل ما حصل من دخول مسلح إلى بيروت من طرف مسلحي المعارضة، كان وليد بك أول المتفاهمين مع الفريق الآخر من وراء الستار حتى قبل الذهاب إلى الدوحة.
قبل شهور سربت مواقع صحافية متفرقة شريطاً مصوراً لوليد بك في جلسة مع أنصاره حيث يذكر الموارنة في لبنان باعتبارهم "جنساً عاطلاً"؛ في خطوة اعتبرها الكثيرون وقتها تسريباً متعمداً كي يمهد جنبلاط لما سيقوم به لاحقاً. الآن – يقول المنتقدون – يأتي وليد جنبلاط ليعلن انسحابه من تحالف الرابع عشر من آذار قبل تشكيل الرئيس المكلف سعد الحريري حكومته، وهو ما يفتح الباب أمام قوى "الأقلية" في المزيد من التشدد وفرض الشروط للمشاركة في الحكومة باعتبار أن مسائل "الأكثرية" و"الأقلية" فقدت معناها العملي.
ستتبدى الصورة مختلفة تماماً عند النظر إليها من زاوية الموحّدين الدروز، وهم طائفة لا امتداد بشريا لها في الوطن العربي إلا في بلاد الشام فقط (جبل لبنان ومحافظة السويداء في سوريا وشمال فلسطين)، في حين أن طوائف لبنان الإسلامية الأكبر عدداً مثل السنّة والشيعة لها امتدادات في طول المنطقة العربية وعرضها وخارجها وصولاً إلى إيران وتركيا. ومنذ هجرة مؤسسي الطائفة من قاهرة المعز لدين الله الفاطمي قبل أكثر من ألف سنة، يتموضع الموحّدون الدروز في قلب عمليات الحراك السياسي في بلاد الشام من دون غطاء إقليمي ودولي. وترتب تلك الحقيقة فكرة مفصلية ومؤسسة عند البيك مفادها أن السنة والشيعة لهم امتدادات أعمق وتحالفات أرسخ في المنطقة، في حين أن الدروز يظلون محكومين بتوازنات بلاد الشام التي تأتي سوريا – بحكم الجغرافيا والتاريخ والسكان – على رأسها.
ومع قراءة سابقة لوليد بيك بأن إدارة الرئيس بوش الابن في وارد تغيير النظام في سوريا بعد احتلال العراق 2003، ثم اشتداد الضغوط على دمشق بعد اغتيال المرحوم رفيق الحريري 2005، بدا له أن التحالف مع إدارة المحافظين الجدد في واشنطن يضمن لطائفته دوراً في كل بلاد الشام ما بعد الزلزال الذي اعتبره هو مرتقباً. وهذا يفسر الغلو في مهاجمة النظام السوري والتشدد في مواجهة القوى السياسية المنضوية في تحالف الثامن من آذار في السنوات القليلة الماضية. ولكن مع انفتاح واشنطن الأخير على دمشق وتفكيك العزلة الدولية عليها بغرض سحبها بعيداً عن إيران، فقد أعاد وليد بيك حساباته. واتى ذلك مع انفتاح مرتقب للرياض على دمشق بغية تعزيز التحول في تحالفاتها الإقليمية؛ وهو ما تصبح الترجمة العملية له متجسدة في تقارب سني – شيعي في لبنان، وبالتالي تفاهم بين "تيار المستقبل" و"حزب الله"، وهو ما سيفقد وليد بيك في المحصلة موقعه المتميز في التوازنات المرتقبة في لبنان. الآن يرحب فريق الثامن من آذار بتحولات وليد بيك بعدما كان هدفاً لحملات إعلامية منظمة من طرف المعارضة التي تفيدها مرحلياً المناورة الأخيرة لجنبلاط. والآن أيضاً يتعرض وليد بك لانتقادات حادة من فريق الرابع عشر من آذار الذي تعامل معه البيك بمنطق الشقق المفروشة. وهنا لا يستطيع أي من الفريقين المزايدة على الآخر في موقفه، فكلاهما يستغل اللحظة للوصول إلى الضغط على الآخر وانتزاع تنازلات سياسية منه، في أداء يبدو قدراً سياسياً لبنانياً لا فكاك منه.
كانت السياسة في معناها اللبناني الأضيق وسيلة تعزيز مصالح الطائفة في مواجهة الطوائف الأخرى، وفي معناها الإقليمي تحالف الطائفة مع قوى إقليمية لتعزيز مصالحها، وفي معناها الدولي سقف التحالف مع الرعاة الإقليميين بالمصالح الدولية وكل ذلك يتغطى بشعارات سياسية فضفاضة. ولأن السياسة بمعناها النظري والمعرفي هي الوسيلة الممتازة لتثبيت المصالح وإدارة التناقضات، فإن خطوة وليد بيك الأخيرة تعني أن مصالح الطائفة الدرزية التي يمثلها تتطلب تغيير المواقع التحالفية الحالية للتعامل مع ما هو مقبل من تغيير إقليمي ودولي في توازنات لبنان.
وبسبب عدم وجود "مرجعية إقليمية" للدروز على غرار السعودية وإيران لدى السنة والشيعة على التوالي، اعتمد وليد جنبلاط على تبديل المواقع باستمرار للحفاظ على وجوده السياسي وعلى وجود طائفته في قلب الموزاييك السياسي اللبناني. وهكذا يتحول "الحزب التقدمي الاشتراكي" بمقتضى انسحاب وليد بيك من فصيل أساسي في "فريق الموالاة" إلى بيضة القبان بين فريقي "الموالاة" و"المعارضة". وهنا تقضي الفكرة المؤسسة لتحولات وليد جنبلاط الأخيرة أنه ليس في وارد الانضمام إلى فريق الثامن من آذار، وإلا فقدت خطوته مغزاها العميق وأصبح من جديد طرفاً في تحالف مقابل تحالف آخر، ولكنه سيسعى إلى البقاء في منطقة الوسط بين التيارين لتوسيع هامش مناورته اللبنانية.
سيستمر وليد بيك متحالفاً مع الشيخ سعد الحريري في موضوع تشكيل الحكومة للاحتماء بالتحالفات الإقليمية والدولية للأخير، ولكنه سيستمر في مغازلة الفريق الآخر وبالتحديد "شريكه التاريخي" الأستاذ نبيه بري لكي يساعده في مسح سجله الأخير مع سوريا ولكي يسهل عودته تحت مظلتها السياسية في حال تم تلزيمها إدارة التناقضات اللبنانية في مقابل تملّصها من إيران.
يضرب وليد جنبلاط مثالاً واضحاً على براغماتية وبراعة سياسية قل مثيلها في لبنان وفي منطقتنا التي شهدت دوماً تصارع قوى وإرادات دولية وإقليمية ومحلية على قيادتها في الطريق الذي تريد. وإذ أخذ هذا التصارع الدائم بين العمالقة أشكالا عسكرية وسياسية واقتصادية وحتى ثقافية، فإن براعة الطوائف الصغيرة تتلخص ليس في إلغاء وشطب الخصوم، فهذا ما يفوق طاقاتها في الواقع، ولكن في البقاء على الدوام في الجانب العائم من السفينة وسط الأمواج والأعاصير والزلازل التي تشكل الخلفية الدائمة للحراك السياسي في لبنان والمنطقة. وربما ينبغي هنا استذكار التحولات في مواقف الطوائف اللبنانية الأخرى وخصوصاً السنة والشيعة، وإن كانت هذه التحولات قد استغرقت عقوداً لتستقر على ما هي عليه الآن من موقع داخلي وتحالف إقليمي وخطاب سياسي، وذلك بسبب عدد هذه الطوائف الكبير من جهة وارتباطها الموضوعي بالرعاة الإقليميين من جهة أخرى. على النقيض من ذلك فإن عدد الدروز القليل نسبياً (حوالى ربع مليون في لبنان) وانتفاء الظهير الإقليمي لهم يجعل تحولاتهم أكثر حدة ووضوحاً وفي نطاق زمني يعد بالشهور والسنوات القليلة، وليس بالعقود مثل السنة والشيعة في لبنان، وهو قدر ديموغرافي وجيوبوليتيكي يتعامل وليد بيك معه ولا يحلم بتغييره مهما شطحت شعاراته وأقواله في فترات معينة.
تنعقد التحالفات السياسية في لبنان بغرض أن تنفرط لاحقاً، في حين أن لعبة "الكراسي الموسيقية" هي النموذج الدائم لتحولات طوائفه ومنطق تحالفاتها السياسية. تقول أصول التحليل السياسي الموضوعي أن فهم واستيعاب الديناميكيات يبقى وأن الشعارات تتحول وتذهب مهما طال الزمن، تأسيساً على ذلك يمكن بسهولة ويسر التنديد بخطوة وليد جنبلاط الأخيرة واستذكار المحطات البارزة في تقلباته السياسية وعدم ثباته على موقف. وكل ذلك سطحي وصحيح في آنٍ واحد. ولكن تقليب النظر في تاريخ لبنان وطوائفه يشير إلى أن الثبات على حال ترف لا يملكه وليد بيك ولا طائفة الموحدين الدروز التي يمثلها!.
( مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة.)
"النهار"






