سميح صعب
منذ الغزو الاميركي لافغانستان عام 2001 وغزو العراق عام 2003، هناك اسئلة لا تزال الاجابة عنها معلقة: هل يمكن ان تؤدي ازالة نظام مستبد او ظالم بالقوة الى نشوء نظام ديموقراطي مستقر؟ وهل يمكن دولة ما، مهما بلغت من القوة العسكرية والاقتصادية، ان تنجح في سياسة بناء أمم أخرى؟ وهل يمكن تغييراً مفروضاً من الخارج ان ينجح في تثبيت معادلة ديموقراطية في دولة كانت محكومة بنظام ديكتاتوري؟
إن تجربتي افغانستان والعراق لا توحيان رداً ايجابياً. فالدولة العظمى الوحيدة في العالم، التي اعتقدت ان في امكانها اعادة تشكيل النظامين في افغانستان والعراق، قد باءت مغامرتها بالفشل. فلا افغانستان استقرت، ولا العراق استقر.
لا بل ان الاوضاع في كلا الدولتين لا تزال تسير في طريق الفوضى والدم والمجهول. ومهما تكن البلاغة التي يسبغها الاميركيون على سياستهم في كل من العراق وافغانستان، فان الحصيلة هي صفر.
فلا تستطيع الانتخابات في يوم واحد ان تحجب ما قبلها من فوضى ولا ما سيليها. واذا كانت الولايات المتحدة تفتش الآن عن مخرج، سواء في العراق او في افغانستان، فإن ذلك لا يُخفي الآثار المدمرة التي تركتها السياسة الاميركية في كل من البلدين. لقد تبخّر الاعتقاد الاميركي امكان بناء الامم، وبات هذا الاعتقاد من الماضي، كما بات جورج بوش الابن وديك تشيني من الماضي، ولا سيما بعدما ثبت بالملموس استحالة فرض الديموقراطية من الخارج. فلا افغانستان هي المانيا، ولا العراق هو اليابان.
افغانستان اليوم هي مستنقع يتوسع شيئاً فشيئاً. والاستراتيجية الاميركية الجديدة التي وضعها باراك اوباما تعاني فشلاً ذريعاً. فالمناطق التي تسيطر عليها "طالبان" هي في ازدياد، والخسائر الاميركية والاطلسية هي ايضاً في ازدياد، بما يذكّر بالايام التي كانت فيها حرب العراق في ذروتها. فزيادة القوات، التي اعتبرت الادارة الاميركية انها سر النجاح في الحد من الخسائر الاميركية في العراق، تعطي مفعولاً عكسياً في افغانستان.
ولا يمكن المديح الاميركي لشجاعة الافغان الذين غامروا بالخروج للاقتراع في الانتخابات الرئاسية ان يخفي عمق المأزق الغربي في هذا البلد. فليست هناك دولة اطلسية قادرة على ارسال المزيد من الجنود الى افغانستان، ولا الولايات المتحدة بقادرة وحدها على احتواء موقف لا يبدو ان القوة العسكرية هي الرد المناسب عليه.
وفي العراق يبدو ان الانسحاب الاميركي من المدن في 30 حزيران الماضي لم يكن كافياً لادخال البلاد في تحول نوعي يجعل القوات العراقية المحلية قادرة وحدها على التعامل مع التفجيرات مثل تلك التي حدثت في بغداد هذا الاسبوع. كما ان العملية السياسية ليست بأفضل من العملية الامنية. وفي كلا الحالين يظهر مدى القصور في تأمين بلد خالِ من العنف نسبياً.
وفي العراق تبدو مشكلة واشنطن اكبر بكثير مما هي في افغانستان. فالقوات الاميركية التي بدأت الانسحاب التدريجي لن يكون في امكانها العودة لتمسك بالمدن مجدداً ، لان مثل هذه الخطوة تعني اقراراً بفشل الحكومة العراقية في الامساك بالقرار الامني وتالياً القرار السياسي. ويعني ذلك ايضاً فشلاً ذريعاً لكل الادعاءات الاميركية بأن السلطات العراقية باتت قادرة على المضي وحدها في بناء دولة.
ومشكلة افغانستان، كما تظهر الاحصاءات، آخذة بدورها في الاتساع من دون ان تلوح في الافق بادرة تدل على ان في الامكان، في المستقبل المنظور، ان تتمكن حكومة افغانية معينة من ادارة البلاد او فرض سلطتها خارج كابول بقواها الذاتية. وهذا يعني ان الغرب سيبقى متورطاً في افغانستان على المدى المنظور.
إن واشنطن تدفع اليوم ثمن قصر نظر بوش وتشيني ومن تبقّى من المحافظين الجدد. والادهى ان ليست اميركا وحدها هي التي تدفع الثمن، انما ايضا العراق وافغانستان والمنطقة بأسرها!






