المستقبل –
منذ أسبوعين، تشتعل بأقاصي شمال اليمن أحداث "الحرب السادسة" ـ هكذا تُسميها السلطات هناك ـ بين القوى العسكرية اليمنية، والحوثيين المتمردين. والتمرد الحوثي سُمّيَ بهذا الإسم نسبة لزعيمه الأول الشاب حسين الحوثي إبن أحد علماء الزيدية الكبار: بدر الدين الحوثي. وحوت بلدة في منطقة صعدة خرج منها علماء زيدية كبار في القرون الماضية، آخرهم الشيخ بدرالدين. وقد سُمّى حسين ـ الذي كان عضواً منتخباً بمجلس النواب اليمني ـ تنظيمه الذي ظهر قبل عقد من الزمان بإسم: "الشباب المؤمن". وما اهتمت لأمره السلطات في البداية رغم عُلوّ صوته في التنديد بالسياسات الموالية للولايات المتحدة من جانب نظام الرئيس علي عبدالله صالح. وقد أضاف لذلك دعوة اليمنيين للانضمام الى فيالق المقاومة الإسلامية المقاتلة بفلسطين مثل حزب الله وحماس. وبعد عام أو عامين على مغادرته صنعاء، والبدء بجمع الشباب من منطقة صعدة، ومن أنحاء أخرى باليمن، أعلن عن تشيّعه (والزيدية من فِرَق الشيعة في الأساس، لكنهم لا يقولون بالأئمة الإثني عشر، ولا يعتبرون الإمامة ـ وإن استحبّوها ـ من أركان الدين)، وأن نموذجه الثورة الإسلامية في إيران، وذراعها المقاتل بلبنان حزب الله. وعندما انفرد حسين الحوثي وأتباعه بناحية منعزلة وبدأوا يتعرضون لقوات الأمن، اشتبك معهم الجيش، ودارت معارك متقطعة، تخللتها هُدَنْ ووساطات، آخِرها الوساطة القطرية. وفي البدء استنكر هذه الحركة واعتبرها انشقاقاً في المذهب كل علماء الزيدية البارزين. لكن عندما قُتِل حسين الحوثي في أحد الاشتباكات مع الجيش، ورفضت السلطات الوساطات، صمت العلماء الزيود، وظهرت بوادر تعاطف من الجمهور الزيدي مع المتمردين. والوضع الآن أن السلطات مصمّمة على استئصالهم باعتبارهم إرهابيين ضد الدولة والنظام، تدعمهم إيران، ويريدون "إعادة الإمامة البائدة" التي سقطت باليمن عام 1962 لتقوم على أنقاضها الجمهورية اليمنية! وبغض النظر عن مدى صوابية تعامل السلطة مع الحركة الحوثية؛ فالواقع أنها انشقاق صحوي شيعي يستلهم نموذج حزب الله، من دون أن يمتلك دعواه وممارساته في مقاتلة إسرائيل. إنما البارز فيه التأكيد على الخصوصية الزيدية أو الشيعية، كما حصل مع الحزب بلبنان، وكما يحصل بالعراق ومع سائر الأقليات الشيعية في منطقة الخليج. وليست لتلك "الذاتية" المتضخمة بتأثير الثورة الاسلامية بايران أهداف محددة في حالة الحوثيين أو الساخطين بالكويت أو البحرين؛ بل هي تعبير عن القلق والحساسيات الدينية والمذهبية المتصاعدة لدى الأقليات بالمشرق، سواء اكانت أقليات مضطهدة او صاحبة مشروع دولة انفصالية أم لا. بيد ان النتيجة الظاهرة لها حتى الآن: إحداث المزيد من التخلخل الاجتماعي؛ واظهار المزيد من عجز السلطات الدينية التقليدية والمزيد من عجز وعدم كفاءة الأنظمة القائمة لجهات الفهم والاستيعاب والمعالجة وازالة المظالم ان كانت.
على ان النزعة الانشقاقية هذه والتي بدت لدى الحوثيين تجاه البنية الزيدية التقليدية وتجاه السلطات؛ ليست خاصة بالشيعة أو بالأقليات الدينية. بل انها تقع في قلب "الظاهرة الصحوية" التي بدأت لدى جمهور الأكثرية السنية قبل الثورة الاسلامية الايرانية.
اذ ان الاحيائية الاسلامية الأولى انما ظهرت بمصر من خلال حركة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات من القرن الماضي. وما تطورت الى انشقاق إلا بعد ثلاثة أو أربعة عقود حين تحولت الى إسلام سياسي يملك رؤية أخرى للدين وعلاقته بالدولة والمجتمع. فقد بدأت باعتبارها حركة نهضوية تريد الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع، لأن الإدارة الدينية التقليدية (الأزهر) ما عادت كافية أو صالحة.
ثم صارت فيما بعد ـ وقد نجحت نجاحاً جماهيرياً كبيراً ـ رأس الظاهرة الصحوية الدينية والسياسية في شتى أنحاء العالم العربي.
وهي بذلك نجحت في خلخلة الترتيبات الدينية التقليدية وإثبات عجزها وعمالتها للسلطات، كما نجحت في إقناع فئات واسعة من المجتمع بضرورة استيلاء الدين على الدولة لإعادة أسلمتها بتطبيق الشريعة!
اما الانشقاق الثالث من ضمن الصحوة الدينية الإسلامية فهو ذلك الذي اصطنعته "السلفية الجهادية". وهو فيها أوضح منه لدى الاخوان وفريق ولاية الفقيه. فالسلفية هي مذهب الدولة في المملكة العربية السعودية، ولا يعاني السلفيون ـ المهتمون باستقامة الدين وصحته وسواده ـ من أي انتقاص أو اضطهاد او استبعاد من جانب السلطات، بل هم في قلب الدولة والنظام. لكن فئة شابة منهم متأثرة بصحوية الاخوان وانشقاقيتهم أعلنت عن تمردها على السلفية التقليدية وعلى الدولة ثم على العالم كله. وقد قسم زعيمها ابن لادن العالم الى فسطاطين، ووقع أكثر جماهير المسلمين ضمن الفسطاط المعادي الذي يجب مفاضلته، إما لأن سلطاته غير مطبقة لشرع الله، أو لأن الأجانب نشروا التغريب فيها.
هناك الآن إذن ثلاثة انشقاقات داخل الأمة ذات عناوين دينية. وقد كانت لها نتائج شاسعة وسلبية على المجتمعات والدول.
تطرح نجاحاتها أو فعاليتها أسئلة مصيرية على التجارب السياسية الحديثة في العالمين العربي والإسلامي. وهناك أربعة بلدان عربية وإسلامية تشتعل فيها حروب شبه أهلية وللصحوات الثلاث أو احداها دور بارز فيها، وهي السودان والعراق واليمن والصومال.
وهذا فضلاً عن بلدان عدة تشكل تلك الانشقاقات تحديات كبيرة للتماسك والاستقرار فيها. بيد أن الأخطر من الأوضاع الحاضرة، وهو الأمر الذي لا يجري النظر كثيراً فيه للانشغال بالأحداث الجارية، فهو أن هذه الصحوات الانشقاقية توشك أن تغير وجه الإسلام الذي نعرفه لدى السنة والشيعة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.






